في توقيت بالغ الحساسية للملف النووي الإيراني، أعادت صور أقمار اصطناعية حديثة منشأة "طالقان 2" داخل مجمع بارتشين العسكري إلى دائرة الضوء، بعدما كشفت، وفق تقرير لمعهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن، أن إيران تسرّع عمليات إعادة بناء الموقع الذي تعرّض لضربات إسرائيلية، وسط إجراءات يبدو أنها تهدف إلى حجب جانب من الأعمال الجارية عن المراقبة الجوية والفضائية. وذكر المعهد أن صوراً التقطتها شركة "فانتور تكنولوجيز" في 13 أيلول 2026 أظهرت تقدماً سريعاً في إعادة بناء منشأة "طالقان 2"، الواقعة داخل مجمع بارتشين العسكري على بعد نحو 30 كيلومتراً جنوب شرقي طهران. كما أكد التقرير الأصلي للمعهد أن أعمال إعادة الإعمار تسارعت بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة. وبحسب التقرير، أقامت إيران غطاءً فوق المنشأة المحصنة والمدمرة تحت الأرض، ما يحجب الأنشطة الجارية أسفله عن صور الأقمار الاصطناعية وعمليات الاستطلاع الجوي. وتظهر الصور أيضاً حركة مكثفة لشاحنات تفريغ وجرافات وآليات لخلط وضخ الخرسانة ورافعات تعمل داخل الموقع. وكانت أعمال الإصلاح قد بدأت في حزيران الماضي، إذ جرى إغلاق الفتحات التي أحدثتها الضربات في المنشأة ووضع أغطية خرسانية فوقها. كما رصد المعهد إنشاء تدعيمات خرسانية جديدة حول الموقع، قال إنها قد توفر حماية إضافية في حال تعرضه لأي ضربة جوية جديدة. وتعرّضت "طالقان 2" لضربتين، الأولى في تشرين الأول 2024، والثانية في آذار 2026، بعدما كانت إيران قد أعادت بناء المنشأة وتحصينها تحت الأرض. ويقول معهد العلوم والأمن الدولي إن الضربة الثانية أصابت البنية الداخلية للموقع وأدت إلى انهيار منشآت محيطة به. وتكتسب المنشأة حساسية خاصة بسبب تاريخها. فالجيش الإسرائيلي قال سابقاً إن الموقع استُخدم في تطوير متفجرات متقدمة وإجراء تجارب مرتبطة بما يعرف بـ"مشروع عماد"، وهو برنامج إيراني سري مزعوم تعود أنشطته إلى فترة أواخر التسعينيات وحتى عام 2003. كما تشير تقديرات استخباراتية غربية، بحسب المادة المنشورة، إلى أن الموقع شهد قبل أكثر من عقدين تجارب مرتبطة بتقنيات تفجير يمكن استخدامها في أسلحة نووية. ويرى معهد العلوم والأمن الدولي أن استمرار طهران في إعادة بناء المنشأة يثير تساؤلات بشأن خططها المستقبلية للموقع، ولا سيما بالنظر إلى ما يصفه المعهد بتاريخ من أنشطة البحث والتطوير المرتبطة بالأسلحة النووية. ويظل هذا توصيفاً صادراً عن المعهد، في حين تنفي إيران سعيها إلى امتلاك سلاح نووي وتؤكد أن برنامجها مخصص لأغراض سلمية. وتأتي هذه التطورات فيما لا تزال العلاقة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية تشهد توتراً حاداً، مع صعوبات تواجه الوكالة في التحقق من وضع بعض المواد والمنشآت النووية الإيرانية. وكانت الوكالة قد أشارت في تقاريرها إلى فقدان القدرة على التحقق المستمر من مخزونات معينة من اليورانيوم عالي التخصيب، فيما أحال مجلس محافظيها الملف الإيراني إلى مجلس الأمن في 1 أيلول 2026 على خلفية قضايا مرتبطة بالتزامات الضمانات النووية. وبذلك، لا تبدو عمليات البناء في "طالقان 2" مجرد أعمال ترميم لموقع تعرض للقصف، بل تطوراً جديداً يضع المنشأة مجدداً تحت المجهر، في وقت يتصاعد فيه الصراع حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني وحدود الرقابة الدولية عليه.