تحوّلت الصور والمقاطع التي نشرها جنود إسرائيليون بأنفسهم من داخل قطاع غزة إلى واحدة من أبرز نقاط الضعف في المعركة الإعلامية التي تخوضها إسرائيل، وفق قراءة إسرائيلية تنتقد بشدة السياسة التي اتُّبعت منذ اندلاع الحرب، معتبرة أن إغلاق القطاع أمام وسائل الإعلام الدولية ترك الساحة للرواية الفلسطينية، فيما وفّرت تسجيلات الجنود أنفسهم مادة إضافية استُخدمت ضد إسرائيل في الخارج. وفي مقال نشره موقع "معاريف" الإسرائيلي، اعتبر نحمان شاي، وزير الشتات الإسرائيلي السابق والناطق الأسبق باسم الجيش الإسرائيلي، أن ما وصفه بـ"الهزيمة الإعلامية" التي تتعرض لها إسرائيل في غزة يرتبط، من بين أسباب أخرى، برفضها السماح لفرق إعلامية دولية بالدخول إلى القطاع، ما أبقى الساحة أمام روايات حماس والمواد المصورة التي نشرها جنود إسرائيليون وهم يتباهون بأعمال تخريب وإلحاق أضرار بممتلكات مدنية. وعاد شاي إلى الانتفاضة الأولى التي اندلعت قبل 39 عامًا، في 9 كانون الأول 1987، معتبرًا أن فهم تجربة تلك المرحلة ضروري لفهم الجدل الحالي الذي أثاره فيلم "نزا"، وما كان يمكن استخلاصه منه وما رفضت إسرائيل، بحسب رأيه، أن تتعلمه. وأوضح أن أحد أهم دروس الانتفاضة الأولى كان مرتبطًا بما عُرف آنذاك بمفهوم "المنطقة العسكرية المغلقة"، مشيرًا إلى أن الانتفاضة فاجأت الجيش الإسرائيلي، الذي لم يكن جنوده قد تدربوا على التعامل مع تظاهرات مدنية واسعة، ولا مع شبان يلقون الحجارة من مواقع مرتفعة، ما دفع الجيش إلى التعلم السريع لكيفية التعامل مع واقع جديد كان هو، وفق وصف شاي، صاحب السلطة فيه. وحاول الجيش الإسرائيلي آنذاك معالجة عدم جاهزيته عبر إغلاق مناطق أمام الإعلام وفرض طوق من السرية، بالتزامن مع دخول قوات الجيش وحرس الحدود و"الشاباك" إلى مناطق ريفية ومدنية لتنفيذ عمليات تفتيش وتوقيف مشتبه بهم. وكان إعلان المنطقة "منطقة عسكرية مغلقة"، بحسب شاي، يهدف إلى منح القوات هامشًا للعمل بعيدًا عن الإعلام، بحيث كانت الطواقم الصحافية التي تصل إلى المكان تتوقف عند الحواجز وتعود من حيث أتت. لكن هذه المناطق، بحسب المقال، لم تكن مغلقة فعلًا. ففي تلك المرحلة بدأت الكاميرات الصغيرة بالظهور، وسرعان ما تحولت إلى أداة جديدة في المعركة الإعلامية. وانتشرت كاميرات الفيديو الصغيرة في الضفة الغربية ووُزعت على ناشطين في منظمة التحرير الفلسطينية. وهكذا، عندما كان الجيش الإسرائيلي يغلق منطقة ويمنع الإعلام من دخولها، كانت كاميرات مخفية تنتظر خلف نافذة أو ستارة داخل المنطقة وتسجل تحركات الجنود. ويرى شاي أن الكاميرا تحولت حينها إلى "سلاح فعال بصورة مذهلة"، بعدما كان الناطق باسم الجيش الإسرائيلي قبل ظهورها قادرًا إلى حد كبير على التحكم بالمعلومات وتحديد توقيت نشر ما حدث داخل المناطق المغلقة، بحيث تكون الرواية العسكرية هي الرواية الوحيدة المتاحة. إلا أن الكاميرات الصغيرة، بحسب قوله، أربكت الجيش الإسرائيلي وكشفت مرارًا روايات أخرى أكثر تعقيدًا كان الجيش يحاول إخفاءها. ولفت إلى أن نقل هذه المواد كان أكثر تعقيدًا في ذلك الزمن، في ظل غياب الإنترنت خلال ثمانينيات القرن الماضي، إذ كان لا بد من إيصال شريط الفيديو الذي يحمل المادة المصورة إلى مكاتب شبكات البث الدولية. وكانت سيارات أجرة سريعة، وأحيانًا أشخاص يركضون حاملين الأشرطة، تنقل التسجيلات إلى مكاتب وسائل الإعلام الدولية في القدس. وهكذا انهار، وفق شاي، احتكار الجيش الإسرائيلي للمعلومات، ففي الوقت الذي كان يحتاج فيه الجيش إلى ساعات أو حتى أيام لمعرفة الرواية الدقيقة لما وقع داخل المنطقة العسكرية المغلقة، كانت الرواية الفلسطينية قد وصلت بالفعل إلى عناوين الأخبار. وعندما كانت الرواية الإسرائيلية تظهر أخيرًا، كان الوقت قد فات، وتكون الرواية الفلسطينية قد استقرت في الذاكرة العامة. وأشار شاي إلى أنه وجد هذا الواقع قائمًا عندما عُيّن ناطقًا باسم الجيش الإسرائيلي عام 1989، موضحًا أنهم حاولوا حينها مواجهة الضعف الإعلامي عبر التحقيق بصورة مفصلة في كل حادث داخل المناطق المغلقة، ثم تزويد القوات بكاميرات فيديو مماثلة كي توثق بنفسها عملياتها. وأضاف أن الجيش أنشأ آنذاك اختصاصًا عسكريًا جديدًا هو "المصور الموثق"، في محاولة لتقديم رد مناسب لتلك المرحلة. لكن التطور التكنولوجي، بحسب شاي، أدى عمليًا إلى وفاة مفهوم "المنطقة العسكرية المغلقة"، إذ لم يعد من الممكن منع الإعلام بصورة كاملة من الوصول إلى الأحداث، سواء كان إعلامًا يأتي من الخارج أو إعلامًا يعمل من داخل المنطقة نفسها. وقال إن موقفه في تلك الفترة كان يقوم على أن الأفضل، رغم الصعوبات، السماح للمصورين بمرافقة القوات الإسرائيلية وتوثيق العمليات من زاويتهم، باعتبار أنهم غير ملزمين تجاه الجانب الفلسطيني ويمكنهم العمل بصورة حرة