لم تعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وفق قراءة سياسية إسرائيلية، معركة على هوية رئيس الحكومة وحده، بل باتت تتقاطع فيها حسابات تشكيل الائتلاف المقبل، وصعود عوفر وينتر، ومستقبل المحكمة العليا والجهاز القضائي، في مشهد يدفع بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت على حد سواء إلى إعادة حساباتهما مع اقتراب الاستحقاق من مرحلته الحاسمة. وفي مقال في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، يرى الصحافي الإسرائيلي ماتي توخفيلد أن فيلم "نزا"، الذي أثار جدلًا بعد فوز مخرجيه في مهرجان البندقية، أعاد فرز الساحة السياسية الإسرائيلية بين مؤيدين للفيلم ومنتقدين له وصامتين حياله، كاشفًا، بحسب تعبيره، مواقف القوى المختلفة من قضايا السياسة والأمن. ويعتبر توخفيلد أن ذلك جاء بعد أسابيع من محاولات تحويل النقاش إلى ملفات أخرى، بينها تجنيد الحريديم، فيما يرى أن الحسابات الانتخابية الحالية تشير إلى صعوبة تشكيل حكومة من أحزاب المعارضة اليهودية وحدها. وبحسب قراءته للاستطلاعات، فإن المسار الوحيد لاستبدال نتنياهو بحكومة يرأسها مرشح آخر يحتاج، عند التصويت في الكنيست، إلى تعاون حزب عربي واحد على الأقل وربما حزبين، فيما يعتبر أن مشاركة حزب "الديمقراطيين" في أي ائتلاف من هذا النوع شبه محسومة. وأشار الكاتب إلى أن الأحزاب العربية، وبينها "راعام" والقائمة المشتركة، إضافة إلى "الديمقراطيين"، لم تدن فيلم "نزا" وصانعيه، بل انتقد بعض أعضائها منتقدي الفيلم، وطرحوا مواقف تعتبر أن الحرب في غزة كانت ذات طابع سياسي وأسفرت عن ضحايا من دون مبرر، وأن الجيش الإسرائيلي استخدم قوة مفرطة وكان ينبغي إنهاء الحملة العسكرية قبل الموعد الذي انتهت فيه فعليًا. ومن وجهة نظر توخفيلد، فإن دخول هذه القوى في حكومة مقبلة سيمنحها حضورًا في المجلس الوزاري السياسي والأمني وفي المنتديات الأمنية المصغرة، وسيجعلها شريكًا في تحديد سياسات الحكومة، أياً يكن رئيسها، سواء غادي آيزنكوت أو أفيغدور ليبرمان أو نفتالي بينيت. ويضيف أن وزراء هذه الأحزاب سيحاولون ترجمة توجهاتهم في الوزارات التي يتولونها، سواء في النقل أو المالية أو الأمن القومي، معتبرًا أن اعتماد الحكومة على دعمهم سيجبر رئيسها على أخذ مواقفهم في الاعتبار. ويستعرض الكاتب في هذا السياق شخصيات من حزب "الديمقراطيين"، بينهم يائير غولان وغابي لاسكي وموشيه رادمان أفوتبول، أحد أبرز وجوه الاحتجاجات، مشيرًا إلى أن لاسكي سبق أن مثّلت فلسطينيين اتُّهموا بتنفيذ هجمات أمام المحاكم، فيما دخل رادمان الحياة السياسية بعد دوره في حركة الاحتجاج. ويقول توخفيلد إن أياً من هؤلاء لم يُدن فيلم "نزا"، وإن بعضهم أيّد الرسالة العامة التي حاول الفيلم إيصالها، انطلاقًا من رأي يرى أن الضرر الذي ألحقته الحرب بصورة إسرائيل يفوق الضرر الناجم عن عرض الفيلم والجدل الدولي المحيط به. لكن الكاتب يقر في المقابل بأن الحسابات نفسها تنطبق على نتنياهو من الجهة الأخرى، إذ لا يملك، وفق قراءته، طريقًا سهلًا إلى الحكومة من دون الأحزاب الحريدية. ويشير إلى أن أرييه درعي ويتسحاق غولدكنوبف ويعقوب آشر سيطالبون بدورهم بتسوية وضع طلاب المدارس الدينية والحصول على موازنات للمؤسسات والاحتياجات الدينية، ما يجعلهم محورًا أساسيًا في أي ائتلاف يقوده نتنياهو. ومن هنا، يرى توخفيلد أن المسألة الانتخابية تتحول إلى سؤال حول سلم الأولويات لدى الناخب: القبول بتسوية تمنح عددًا كبيرًا من طلاب المدارس الدينية إعفاءات من الخدمة العسكرية، أو القبول بحكومة تعتمد على قوى عربية وإسلامية يتهمها خصومها بمواقف متساهلة تجاه حماس. ويصوغ الكاتب المقارنة بصورة أكثر حدّة متسائلًا عمّا يراه الناخب أكثر صعوبة: حكومة تضم حزبًا يجعل قانون التجنيد في رأس أولوياته، أم حكومة تعتمد على حزب يقول الكاتب إن أعضاء فيه يرفضون وصف حماس بأنها "منظمة إرهابية" وقد يعارضون خطوات عسكرية تستهدفها. وفي قلب هذه المعادلة يبرز اسم عوفر وينتر، الذي تحول إلى مشكلة انتخابية لا لنتنياهو وحده بل لآيزنكوت أيضًا. ويكشف توخفيلد أن عدة مشاورات عُقدت في مقر الليكود طوال الأسبوع، بعضها بحضور نتنياهو، لبحث كيفية التعامل مع وينتر بعد إغلاق اللوائح الانتخابية. ووفق المقال، اتُّخذ قرار في المرحلة الحالية بمحاولة سحب ناخبين من وينتر ودفعه إلى الانسحاب، إلا أن المداولات لم تشهد إجماعًا كاملًا. فبعض المحيطين بنتنياهو، بحسب الكاتب، رأوا أن وينتر لا يضر معسكر اليمين بالضرورة، بل قد يصبح ضروريًا للحصول على غالبية في الكنيست، لأنه قادر على استقطاب أصوات من ناخبين موجودين حاليًا لدى ليبرمان وبينيت وآيزنكوت. ويحدد توخفيلد مصدرين لقلق نتنياهو من وينتر: الأول احتمال عدم تجاوزه نسبة الحسم وضياع عدد كبير من أصوات اليمين، والثاني وجود شكوك لدى نتنياهو في مدى التزام وينتر الكامل بمعسك