تدرس الحكومة اللبنانية مقترحاً أوروبياً متكاملاً لإنشاء بعثة مدنية–عسكرية في لبنان ضمن سياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد الأوروبي "CSDP"، بالتزامن مع تحرك فرنسي–إيطالي منفصل لبلورة ترتيبات دولية لمرحلة ما بعد قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان "اليونيفيل". وكشفت وثائق حكومية لبنانية اطّلع عليها "عربي بوست"، وأكدها مصدر حكومي لبناني، أن المقترح الأوروبي يستهدف رفع قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الحدود والأمن الداخلي والبحري، في إطار الاستعداد لمرحلة الانسحاب التدريجي لليونيفيل. لكن المشروع الأوروبي، وفق الصيغة المطروحة حالياً، لا يمثل بديلاً مباشراً لليونيفيل، ولا يتضمن نشر قوة قتالية أوروبية في جنوب لبنان. وإنما يقوم على بعثة استشارية وتدريبية وتقنية، تعمل على بناء قدرات المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية. في موازاة ذلك، تتحرك فرنسا وإيطاليا عبر مسار آخر يرتبط مباشرة بمرحلة ما بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، ما يفتح الباب أمام ترتيبات دولية لم يتحدد شكلها النهائي بعد. تظهر الوثائق أن المسار الرسمي لإنشاء البعثة الأوروبية بدأ برسالة وجهتها الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس إلى رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام. وأبلغت كالاس سلام بأن الاتحاد الأوروبي يواصل استعداداته لإنشاء بعثة في لبنان ضمن إطار سياسة الأمن والدفاع المشتركة. في مرحلة لاحقة، طلبت وزارة الخارجية والمغتربين إدراج الملف على جدول أعمال مجلس الوزراء، معتبرة أن الانتقال إلى المرحلة التالية يحتاج إلى موافقة رسمية من الحكومة اللبنانية وطلب واضح بإنشاء البعثة. بعد ذلك، يُفترض استكمال الإجراءات السياسية والقانونية اللازمة على المستوى الأوروبي، ما يتيح الانتقال من مرحلة الاستطلاع إلى مرحلة الإعداد الفعلي للمهمة. المصدر الحكومي اللبناني قال لـ"عربي بوست" إن الاتصالات الأوروبية مع الجانب اللبناني لم تبدأ من الصفر، إذ سبق للاتحاد الأوروبي أن أرسل وفداً استطلاعياً إلى لبنان. وعقد خبراء الوفد اجتماعات مع قيادة الجيش وقوى الأمن الداخلي وعدد من المؤسسات المعنية، بهدف تحديد الاحتياجات اللبنانية والمجالات التي يمكن للبعثة الأوروبية أن تتدخل فيها. بحسب الوثائق، شملت الاجتماعات قيادة الجيش ومديرية المخابرات وأفواج الحدود البرية ووحدات من قوى الأمن الداخلي، وتركز البحث بصورة أساسية على التدريب وبناء القدرات وتبادل الخبرات وتقديم الاستشارات. يشير التصور اللبناني الأولي إلى أن البعثة ستكون مدنية–عسكرية وغير تنفيذية، أي إن عناصرها لن يتولوا بأنفسهم مهام أمنية أو عسكرية على الأرض. بدلاً من ذلك، سيعمل أفراد البعثة إلى جانب الجيش والقوى الأمنية اللبنانية بهدف تطوير قدراتها ورفع مستوى جاهزيتها في مجموعة من المجالات. بحسب المصدر الحكومي، يقوم أحد التصورات الأساسية على تعزيز قدرة قوى الأمن الداخلي على تولي نسبة أكبر من المهمات الأمنية داخل البلاد. ومن شأن ذلك، وفق التصور المطروح، أن يسمح للجيش بتحويل جزء أكبر من موارده ووحداته نحو حماية الحدود والمهام العسكرية الأساسية. تشمل المجالات التي يجري بحثها تعزيز قدرات أفواج الحدود البرية، والقوات المتنقلة والدرك الإقليمي، إضافة إلى تطوير قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. كما يشمل التصور الأمن البحري وإدارة الحدود والمرافئ، ما يعزز قدرة المؤسسات اللبنانية على التعامل مع الملفات الأمنية الواقعة ضمن اختصاصها. تربط الوثائق كذلك إنشاء البعثة بمساعدة الدولة اللبنانية على تطبيق القرار 1701، وتعزيز سلطة مؤسساتها على كامل أراضيها، ودعم مسار حصر السلاح بيد الدولة. وتتطابق هذه المعالم مع ما أعلنته مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بشأن وجود استعداد لدى أكثر من 10 دول أوروبية للمساهمة في المهمة، مع تأكيد أوروبي أن المشروع لا يستهدف الحلول محل اليونيفيل. يفصل المقترح الأوروبي بين نوعين من الدعم الذي يمكن أن يحصل عليه لبنان. فالبعثة المقترحة ستتولى بصورة أساسية التدريب والاستشارة وبناء القدرات والخبرات، بينما لن تكون القناة المستخدمة لتمويل شراء الأسلحة والمعدات. يجري الدعم العيني والمالي العسكري الأوروبي للبنان عبر آلية منفصلة هي "مرفق السلام الأوروبي". وبحسب المصدر الحكومي، يعني ذلك أن البعثة الأمنية المقترحة وبرامج تسليح الجيش وتمويل احتياجاته يمثلان مسارين متكاملين، لكنهما منفصلان إدارياً ومالياً. وتشير الوثائق إلى أن الاتحاد الأوروبي سبق أن خصص مساعدات للجيش اللبناني بقيمة عشرات ملايين اليورو. ويقوم التصور اللبناني على محاولة تحقيق تكامل بين الدعم المالي الذي يقدم عبر مرفق السلام الأوروبي، وبين التدريب وبناء القدرات والخبرات التي ستوفره