مع انتقال موسم معارض الكتب العربية من أبوظبي وبغداد إلى عمّان وبيروت والجزائر والشارقة والكويت والرياض، تستعد دور النشر لأهم فترة تجارية في السنة. ليس المعرض في العالم العربي مجرد مناسبة ثقافية أو فرصة للقاء الكتّاب، بل سوق موسمية يعتمد عليها ناشرون كثيرون لتوفير السيولة وتصريف الإصدارات الجديدة والقديمة، وعقد صفقات الحقوق والترجمة والتوزيع. تكشف هذه الأهمية في الوقت نفسه أحد أوجه الخلل في صناعة النشر العربية. بدلاً من بيع الكتب بصورة منتظمة عبر المكتبات والمنصات الإلكترونية، تتركز نسبة كبيرة من المبيعات في بضعة أسابيع. ووفق دراسة سابقة لاتحاد الناشرين العرب، كثيراً ما يستشهد بها مسؤولو القطاع، يجري نحو 53 في المئة من بيع الكتب عبر المعارض. هذه النسبة تفسر حرص دور النشر على التنقل بين العواصم، على الرغم من تكاليف شحن الكتب واستئجار الأجنحة والسفر والإقامة. يسمح البيع المباشر للناشر بالاحتفاظ بجزء أكبر من السعر الذي يذهب عادة إلى الموزع والمكتبة، لكن هذا الوفر قد تلتهمه نفقات المشاركة، خصوصاً إذا جاءت المبيعات دون المتوقع. يصعب تحديد القيمة الحالية لسوق النشر العربية بسبب غياب قاعدة بيانات موحدة تشمل الإنتاج والمبيعات والنسخ الورقية والإلكترونية. وتُتداوَل تقديرات تضع حجم الصناعة عند نحو أربعة مليارات دولار، لكنها تستند إلى بيانات قديمة، ولا يصح التعامل معها بوصفها قياساً راهناً للسوق. تشير أحدث دراسة متاحة لاتحاد الناشرين العرب عن عامي 2022 و2023 إلى صدور نحو 93 ألف عنوان. لكن عدد العناوين لا يكشف وحده القيمة الاقتصادية للقطاع، لأن الطبعات العربية كثيراً ما تكون محدودة، وقد لا تتجاوز مئات النسخ لبعض الكتب الأدبية والفكرية والمتخصصة. يعود ذلك إلى ارتفاع المخاطر التي يتحملها الناشر. إلى جانب حقوق المؤلف والتحرير والتدقيق والتصميم، يدفع ثمن الورق والطباعة والتخزين والشحن والجمارك والتوزيع. وكلما صغرت الطبعة ارتفعت تكلفة النسخة الواحدة، بينما يؤدي رفع السعر إلى تضييق قاعدة المشترين في بلدان تعاني فيها الأسر تراجع القدرة الشرائية. وتؤدي المشتريات الحكومية والمؤسسية دوراً مهماً في إبقاء جزء من الصناعة قائماً. مشتريات الوزارات والمدارس والجامعات والمكتبات العامة، إضافة إلى الجوائز وبرامج دعم النشر والترجمة، قد تمنح الكتاب عائداً لا يستطيع البيع الفردي وحده توفيره. لكن هذه الفرص تختلف بشدة بين بلد وآخر، ولا يستفيد منها الناشرون جميعاً بالتساوي. على الرغم من انتشار الهواتف والأجهزة اللوحية، لا يزال الكتاب الورقي مهيمناً على السوق العربية. يستفيد من ارتباطه بعادة الاقتناء والإهداء والتوقيع، ومن مشتريات المدارس والجامعات والمكتبات والجهات الحكومية. كما أن شراءه في المعرض لا يتطلب بطاقة مصرفية أو حساباً على منصة رقمية، ويتيح للقارئ مقارنة الأسعار وتصفح الكتاب قبل دفع ثمنه. لكن اقتصاد الورق أصبح أكثر هشاشة. كثير من البلدان العربية تستورد الورق ومستلزمات الطباعة، ما يجعل التكلفة مرتبطة بأسعار الصرف والشحن العالمي. ويواجه الناشر أيضاً مشكلة الحدود العربية؛ قد يكون إرسال صندوق كتب من بلد عربي إلى آخر أكثر تعقيداً وتكلفة من شحنه إلى سوق أجنبية. وتعوض المعارض جزءاً من ضعف التوزيع، لكنها لا تقدم حلاً دائماً. يتحمل الناشر نفقات المشاركة قبل تحقيق أي مبيعات، فيما تتراجع حركة المكتبات أحياناً قبل المعرض وبعده، لأن القراء يؤجلون مشترياتهم أو يكونون قد أنفقوا ميزانيتهم السنوية للكتب خلال المناسبة. الإلكتروني أقل تكلفة... لا أكثر ربحاً بالضرورة نظرياً، يقدم النشر الإلكتروني حلاً مثالياً لهذه المشاكل. فلا ورق أو مخزون أو شحن، ويمكن بيع الكتاب نفسه من المغرب إلى الخليج فوراً. كذلك يسمح الرقمي بإبقاء الكتب القديمة متاحة، حتى عندما لا يكون من المجدي إعادة طباعتها. إلا أن إلغاء تكلفة الطباعة لا يلغي تكاليف التحرير والتصميم والتسويق وتحويل الملفات وحمايتها، إضافة إلى عمولات منصات البيع. كذلك تعاني السوق تعدد المنصات، وتفاوت وسائل الدفع، وضعف اشتراكات المكتبات والجامعات، ومحدودية انتشار أجهزة القراءة الإلكترونية، وغياب متجر عربي يتمتع بالانتشار الذي تحظى به المنصات الكبرى في أسواقها الأصلية. لذلك لم يصبح الإلكتروني بديلاً من الورقي، بل قناة موازية له. وقد تكون الفرص الأكبر في الكتب الصوتية، والاشتراكات القانونية، والبيع للمؤسسات التعليمية والمكتبات، والطباعة عند الطلب، بدلاً من الاكتفاء ببيع ملف إلكتروني منفرد. المفارقة أن شبكات القرصنة نجحت أحياناً في تجاوز الحدود التي عجز عنها الناشر القانوني. قد تظهر نسخة مصورة من كتاب جديد في قنوات المراسلة ومواقع التحميل بعد أيام من صدوره، وتصل مجاناً إلى قراء في بلدان لم تصل إليها النسخة الأصلية. لا دراس