تتجه الأنظار الإسرائيلية إلى ما يجري خلف الحدود الشمالية، حيث تعمل دمشق على إعادة رسم خريطة المؤسسة العسكرية تحت عنوان تأسيس "جيش سوري جديد"، في خطوة تقول السلطات إنها تهدف إلى تفكيك الفصائل المسلحة وبناء جيش وطني موحّد، فيما تثير هوية القيادات التي تحتفظ بمفاصل القوة داخل المنظومة الجديدة تساؤلات حول ما إذا كانت سوريا أمام إصلاح حقيقي أم مجرد تغيير في الأسماء والواجهات. وبحسب تقرير للصحافي أرنون شوارزمان، نشره موقع "ماكو" الإسرائيلي، فإن تحقيقًا معمقًا نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" يرسم ملامح واحدة من أكثر المراحل حساسية في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، والمتمثلة في تفكيك البنية الداخلية للفصائل المسلحة وإعادة دمجها ضمن ما يوصف بـ"الجيش السوري الجديد". ووفق التقرير، يحاول الحكم الجديد في دمشق برئاسة أحمد الشرع الانتقال من مجرد الإشراف الإداري على نحو 22 فرقة كانت تعمل عمليًا كميليشيات مستقلة، إلى دمج كامل وهيكلي لهذه التشكيلات تحت مظلة وزارة الدفاع السورية. وتقول دمشق إن العملية تجري بهدوء وبشكل تدريجي، وبتنسيق كامل مع تركيا والأميركيين، فيما جرى في إطار هذه الخطوة تفكيك عدد من كتل القوة العسكرية المتماسكة، وفي مقدمها تنظيم "جيش الإسلام"، الذي جرى دمجه في الفرقة 70، إضافة إلى غالبية تشكيلات "الجيش الوطني"، وكذلك "جيش سوريا الحرة"، الذي كان يُعد حليفًا أساسيًا للولايات المتحدة في منطقة قاعدة التنف جنوب شرقي البلاد، بالقرب من الحدود الأردنية. وبحسب مصادر تحدثت إلى "الشرق الأوسط"، فإن الهدف من هذه العملية يتمثل في إنهاء مراكز القوى المناطقية والمصالح الاقتصادية المستقلة للفصائل، بما يسمح بقيام دولة مستقرة. إلا أن ما وراء الخطاب الرسمي عن "مؤسسات الدولة" و"الجيش المهني" يثير، وفق التقرير، قدرًا كبيرًا من الحذر في إسرائيل، خصوصًا لجهة هوية الجهات التي تدير فعليًا المنظومة العسكرية والاستخباراتية في دمشق. ويشير التحقيق إلى أن الشكل النهائي للأجهزة الأمنية والعسكرية يُبقي قادة وضباطًا من "هيئة تحرير الشام"، إلى جانب شخصيات سابقة في "جبهة النصرة"، في مواقع أساسية ومراكز صنع القرار. ويتحدث التقرير عن فصائل إسلامية جهادية نشأت من الفرع السوري لتنظيم "القاعدة"، لافتًا إلى أنه رغم إعادة دمج عناصرها ضمن مؤسسات الدولة، فإن خلفيتهم الأيديولوجية وماضيهم لم يختفيا. وبحسب المصادر التي تحدثت إلى "الشرق الأوسط"، فإن جميع الضباط وقادة الفصائل الذين أعيد توزيعهم داخل الوحدات العسكرية يخضعون في نهاية المطاف لشخصيات آتية من "هيئة تحرير الشام". أما في دمشق، فيُقدَّم هذا الواقع باعتباره "نواة صلبة" تحتاج إليها الدولة لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وفي هذا السياق، قال العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو قائد في الجيش الجديد وكان في السابق من القيادات البارزة في "جبهة النصرة"، إن إبقاء الفصائل على شكل كتل مستقلة كان يهدد استقرار الدولة. وأوضح الحلبي أن "هيئة تحرير الشام" كانت أول من حلّ نفسه واندمج في الدولة، حاملة معها، بحسب قوله، خبرة أمنية وإدارية اكتسبتها خلال فترة سيطرتها على مدينة إدلب وعلى مدى السنوات الماضية. وأضاف أن الدولة تتعامل مع الفصائل الأكثر تشددًا وفق منهجية دقيقة تقوم على تفكيكها وتوزيع مقاتليها على الفيالق العسكرية، لمنع تشكل مراكز قوة مستقلة. وبحسب الحلبي، يمتلك هؤلاء المقاتلون خبرة قتالية مهمة، لكنهم ملزمون بالعمل ضمن إطار مؤسساتي، لا بعقلية التنظيم أو الجماعة. في المقابل، يحذر محللون من أن محاولة طمس الهوية التنظيمية لهذه العناصر لا تعني بالضرورة تغيير رؤيتهم الأساسية على الأرض. ويبرز في التحقيق جانب آخر يثير القلق، يتعلق بدمج مقاتلين أجانب داخل الجيش الجديد. فقد أكد خبير تحدث إلى الصحيفة أن مجموعات إسلامية أجنبية، من بينها مقاتلون جهاديون تركستان، أُدخلت رسميًا إلى الجيش السوري، ولا سيما ضمن الفرقة 84. وتحاول دمشق، وفق التقرير، طمأنة المخاوف عبر التأكيد أن هذه الخطوة تهدف إلى إخضاع هؤلاء للقانون العسكري ومنعهم من التحرك بصورة مستقلة. لكن في المقابل، يبرز تخوف من أن يؤدي هذا المسار إلى منح جهات متشددة في الشرق الأوسط شرعية رسمية وميزانيات وزيًا عسكريًا تابعًا للدولة. ويرى التقرير أن الصورة التي يرسمها التحقيق تضع الرواية الرسمية السورية أمام أسئلة كبيرة. ففي الوقت الذي يحاول فيه حكم الشرع تقديم ما يجري باعتباره ثورة تنظيمية لبناء جيش وطني حديث يحظى بدعم تركيا والولايات المتحدة، تتزايد المخاوف من أن يكون التغيير، في جوهره، أقرب إلى إعادة تشكيل للواجهة منه إلى تبديل حقيقي في بنية القوة. وبحسب القراءة التي يعرضها التقرير، لا يزال القلب الأمني والقيادات العليا في سوريا الجديدة بأيدي شخصيات خرجت من تنظيمات إسلامية مت