فالمنطقة تدخل مرحلة لا تتغير فيها الحدود بالضرورة، بقدر ما تتغير خرائط النفوذ والتحالفات وموازين القوة. وفي هذه الخريطة، يسعى عدد من اللاعبين الإقليميين والدوليين إلى تثبيت حضورهم في لبنان، فيما تبدو تركيا من أبرز القوى التي تحاول الانتقال من دور سياسي إلى حضور أمني واستراتيجي أكثر وضوحاً. تركيا تعود إلى لبنان بأدوات مختلفة يحضر التاريخ العثماني بقوة عند الحديث عن العلاقات التركية ـ اللبنانية، إلا أن أنقرة الحالية لا تعود إلى لبنان بمنطق الإمبراطورية أو استعادة نفوذ تاريخي، بل من بوابة الدولة والعلاقات الثنائية والتعاون العسكري والاقتصادي. زيارة الرئيس جوزاف عون إلى تركيا في 30 تموز شكلت محطة أساسية في هذا المسار، بعدما أبدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداد بلاده لمواصلة دعم الجيش اللبناني والمساهمة في إعادة إعمار الجنوب. الأهمية هنا تتجاوز المساعدة المباشرة، لأن تركيا تضع نفسها تدريجياً في موقع يمكن أن يجعلها شريكاً في مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية، ولا سيما المؤسسة العسكرية. وقد اكتسب هذا التوجه بعداً عملياً مع إقرار لجنة المال والموازنة اتفاقية التعاون العسكري والمالي بين لبنان وتركيا، بما يفتح الباب أمام دعم احتياجات الجيش وتسليحه وتدريبه وتعزيز قدراته اللوجستية. الجيش بوابة الحضور التركي تكمن أهمية الاتفاق في أنه لا يقتصر على تقديم مساعدات ظرفية، بل يتضمن آليات لتأمين احتياجات عسكرية ودفاعية ولوجستية، وتبادل الخبرات وتنظيم التدريبات المشتركة، مع إمكان استخدام الدعم المالي لتغطية الاحتياجات الطارئة. واللافت أن التعاون يمتد لخمس سنوات، ما يمنحه بعداً استراتيجياً وليس مجرد طابع مساعدات مؤقتة. وهنا تبرز دلالة أساسية ان تركيا لا تتعامل مع الجيش اللبناني باعتباره مؤسسة تحتاج إلى مساعدة فحسب، بل باعتباره إحدى أدوات إعادة تثبيت الدولة اللبنانية. وهذا ينسجم مع التحول الذي تشهده المقاربة الدولية للبنان، حيث بات دعم الجيش مرتبطاً بمسألة أوسع تتمثل في تعزيز سلطة الدولة على الحدود وفي الجنوب، وحصر القرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الرسمية. ما بعد «اليونيفيل»... الفراغ الذي يبحث الجميع عن ملئه موعد انتهاء ولاية «اليونيفيل» في نهاية عام 2026 يفتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في لبنان. فالانسحاب لا يعني مجرد مغادرة قوات دولية، بل يطرح سؤالاً حول الجهة التي ستملأ الوظائف الأمنية والسياسية التي قامت بها القوة الدولية طوال عقود. وهنا تتسابق الأفكار: قوة أوروبية، صيغة مرتبطة بحلف شمال الأطلسي، ترتيبات دولية جديدة، أو قوة متعددة الجنسيات بمشاركة دول عربية وإسلامية. لبنان، في المقابل، يركز على عنصر أساسي الشرعية التي ستمنح لأي قوة جديدة. فالهدف ليس استبدال قوة دولية بأخرى فحسب، وإنما منع تحول الجنوب إلى منطقة فراغ أو إلى مساحة نفوذ جديدة خارج إطار الدولة اللبنانية. الاقتراح التركي يفتح باباً إقليمياً جديداً في هذا السياق، تبرز الفكرة التركية المتعلقة بتشكيل قوة متعددة الجنسيات تضم تركيا إلى جانب دول عربية وإسلامية، مع إمكان مشاركة دول مثل مصر وباكستان وإندونيسيا وماليزيا ودول عربية أخرى. إذا تحولت الفكرة إلى صيغة قابلة للتنفيذ، فإن أهميتها لن تكون عسكرية فقط. قوة أوروبية ستكون انعكاساً للحضور الغربي، وقوة تابعة للناتو ستأخذ طابعاً أطلسياً، بينما قوة تضم دولاً عربية وإسلامية وتركيا يمكن أن تقدم نموذجاً مختلفاً، أقرب إلى شراكة إقليمية ذات غطاء دولي. لكن العقبة الأساسية تبقى في مدى قبول الأطراف المعنية، وفي مقدمتها لبنان وإسرائيل، فضلاً عن الحاجة إلى غطاء قانوني دولي واضح. خريطة الشرق الأوسط الجديدة: النفوذ بدل الحدود من الخطأ اختزال الحديث عن «شرق أوسط جديد» في احتمال تغيير حدود الدول. الخريطة التي تتشكل اليوم أكثر تعقيداً؛ إنها خريطة ممرات ونفوذ وقواعد وتحالفات ومناطق أمنية. الولايات المتحدة تحتفظ بدور مركزي في الملفات الأمنية الإقليمية. فرنسا تحاول تثبيت حضورها التاريخي في لبنان والمشرق. الدول العربية تسعى إلى استعادة مساحة أكبر في صياغة مستقبل المنطقة. تركيا توسع حضورها من البحر الأسود والبلقان إلى سوريا والعراق وشرق المتوسط ولبنان. إيران تحاول الحفاظ على أوراق نفوذها الإقليمية. أما إسرائيل، فتعمل على إعادة صياغة منظومتها الأمنية على امتداد حدودها الشمالية والشرقية. وسط هذه الدوائر المتقاطعة، يصبح لبنان نقطة جغرافية صغيرة لكنها ذات قيمة استراتيجية كبيرة. الجنوب اللبناني... عقدة الخريطة الجديدة الجنوب هو المكان الأكثر وضوحاً لاختبار هذه التحولات. فالخط الأزرق والحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية ووجود الجيش و«اليونيفيل» والواقع الأمني المرتبط بحزب الله، كلها عناصر تجعل المنطقة جزءاً من منظومة إقليمية تتجاوز الجغرافيا اللبنان