في واحد من أكثر مواقفه صراحة مع اقتراب نهاية ولايته على رأس الأمم المتحدة، رسم الأمين العام للمنظمة أنطونيو غوتيريش صورة قاتمة لنظام دولي يعاني انقسامات عميقة وشللًا في مجلس الأمن، لكنه تمسّك في المقابل بإمكان تغيير المسار، مشترطًا تعاون الحكومات في مواجهة النزاعات والتفاوت الاجتماعي والتحديات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. وقال غوتيريش، في مقابلة مع وكالة "أسوشيتد برس"، إنه رغم حجم الأزمات التي تحاصر العالم، لا يزال يرى "أملًا وإمكانية" في السنوات المقبلة، مشددًا على أن تحقيق ذلك يتطلب قدرة الحكومات على العمل معًا للحد من النزاعات، ومواجهة عدم المساواة، والتعامل مع موجة الذكاء الاصطناعي المقبلة. وجاءت تصريحات غوتيريش قبل أيام من توافد قادة العالم إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في محطة دولية تكتسب أهمية إضافية هذا العام مع احتدام النزاعات واتساع الخلافات بين القوى الكبرى. وقال غوتيريش: "أؤمن بعدد من الأمور الأساسية التي يجب القيام بها، والتي يجب أن تحدث ليصبح العالم أفضل"، مؤكدًا عزمه على مواصلة العمل من أجل تحقيقها خلال الأشهر المتبقية من ولايته. وحدّد الأمين العام للأمم المتحدة 3 ملفات وصفها بأنها مشكلات وجودية تواجه العالم، تتمثل في الذكاء الاصطناعي الخارج عن السيطرة، والتغير المناخي المتسارع، وتفاقم عدم المساواة، الذي اعتبره أحد المحركات الرئيسية لعدم الاستقرار والنزاعات. وحذّر غوتيريش بصورة خاصة من تداعيات الانقسام الجيوسياسي وشلل مجلس الأمن، معتبرًا أن هذه البيئة أسهمت في تعزيز ظاهرة الإفلات من العقاب، في وقت باتت فيه دول تتجاوز القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وقال في هذا السياق إن العديد من الدول باتت تتساءل: "إذا كانت القوى العظمى تستطيع انتهاك القانون، فلماذا لا نستطيع نحن؟"، محذرًا من انتشار منطق تقوم فيه الدول بما تريده وهي تدرك، وفق تعبيره، أن احتمال المحاسبة بات ضعيفًا. ويرى غوتيريش أن الأزمة لا تقتصر على النزاعات المفتوحة، بل تمتد إلى بنية النظام الدولي نفسه، داعيًا إلى إصلاح المؤسسات الدولية بحيث تعكس بصورة أفضل موازين القوى والتحولات التي شهدها العالم خلال العقود الماضية، من دون التخلي عن المبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة. ويحتل ملف الذكاء الاصطناعي حيزًا متقدمًا في تحذيرات غوتيريش، الذي دعا إلى تعاون دولي يضمن تطوير هذه التكنولوجيا ضمن أطر آمنة وشفافة، محذرًا من أن المنافسة بين الدول والشركات لا يمكن أن تتحول إلى سباق يتراجع فيه الاهتمام بمعايير السلامة. وتأتي هذه المواقف فيما يدخل غوتيريش الأشهر الأخيرة من ولايته بعد نحو عقد على رأس الأمم المتحدة، وسط عالم مختلف إلى حد بعيد عن ذلك الذي تسلّم فيه منصبه، مع تعدد بؤر النزاع وتصاعد التوتر بين القوى الكبرى وتراجع قدرة مجلس الأمن على الوصول إلى توافقات بشأن عدد من الأزمات الدولية. ومع اقتراب خروجه من المنصب، تبدو رسالته الأخيرة إلى قادة العالم واضحة: النظام الدولي يواجه اختبارًا صعبًا، لكن طريق الخروج من الأزمات، وفق رؤيته، لا يزال يمر عبر التعاون الدولي والتمسك بالقانون وإصلاح المؤسسات لمواكبة عالم سريع التغير.