تابع اللبنانيّون جلسات مساءلة الحكومة مُباشرةً على الهواء. استمعوا إلى المُداخلات والأسئلة والأجوبة، لكنّهم شاهدوا أيضاً ما هو أبعد من الكلام: أصواتاً ترتفع، مقاطعات، اعتراضات، انفعالات وحركات سرقت أحياناً الأضواء من مضمون النّقاش نفسه. مشاهدٌ تُعيد طرح سؤال يتكرّر كلّما فُتحت أبواب البرلمان أمام الكاميرات: هل يتصرّف النّائب بالطريقة نفسها عندما يعرف أنّ اللبنانيّين يشاهدونه؟ وماذا يقول علم النفس ولغة الجسد عندما يُصبح البرلمان على الهواء؟ يشرح الاختصاصيّ في الطبّ النفسي والخبير في الذكاء العاطفي ولغة الجسد خليل حبشي لموقع MTV أنّه "في اللّحظة التي يبدأ فيها البثّ المباشر، لا يعود النائب يتحدّث فقط إلى زملائه داخل القاعة، بل إلى مئات آلاف الناخبين والخصوم والصحافيّين والمنافسين المحتملين"، لتتحوّل القاعة، وفق تعبيره، إلى "مسرح". ويُشير إلى أنّ "التحدث أمام الجمهور يفعّل الخوف من الحكم والتقييم، فيما يضاعف التلفزيون هذا الشّعور، لأنّ كل كلمة تصبح موثّقة وقابلة للأرشفة والاقتطاع وإعادة النشر. ونفسياً، قد يشعر النائب بأنّ مكانته وسمعته وموقعه السياسي تحت التّهديد، فتتقدّم الاستجابة الانفعاليّة على التفكير الهادئ، وتظهر من خلال المُقاطعة ورفع الصّوت والإهانات والإشارة بالأصابع". ويربط حبشي ذلك أيضاً بالتمييز بين "الكواليس" و"الواجهة الأمامية"، ففي الكواليس السياسيّة تحصل المُفاوضات والتّنازلات والتّفاهمات، أمّا أمام الكاميرا فتُصبح الكلمات والتّصرفات جزءاً من أداء أمام جمهور. لذلك، يُمكن للنائب نفسه أن يكون مرناً خلف الأبواب المُغلقة وأكثر تشدّداً أمام الكاميرا، لأنّ الجمهور تغيّر، وبالتالي تغيّر الدور الذي يؤديه، كما يؤكّد. لكن هل يُمكن التمييز بين الغضب الحقيقي والغضب أمام الكاميرا؟ يشير حبشي إلى أنّ "حركة واحدة لا تكفي للحكم، بل يجب النّظر إلى مجموعة من المؤشّرات ومدى الانسجام بين تعابير الوجه والصّوت والجسد وتوقيت ردّ الفعل. فالغضب الحقيقيّ قد ترافقه علامات لا إراديّة، مثل احمرار الوجه والتنفّس المُتسارع والارتجاف أو البلع المتكرّر، فيما قد تبدو الحركات والصّوت أكثر مبالغة في الغضب المُصطنع". ويلفت خصوصاً إلى "توقيت بداية الغضب ونهايته، فإذا كان النائب في ذروة غضبه أثناء تشغيل الميكروفون ثم عاد سريعاً إلى هدوئه بعد إقفاله، فقد يكون ذلك مؤشراً إلى إدارة الانطباع أمام الجمهور أكثر منه غضباً تلقائّياً، من دون أن يكون ذلك وحده كافياً للجزم". أما الصراخ والمقاطعة وضرب الطاولة والحركة الزائدة، فيرى حبشي أنّها "قد ترتبط بالتوتّر ومحاولة فرض الحضور، ولا يُمكن اعتبارها وحدها دليلاً على القوة. فالشّخص الأكثر قدرة على تنظيم انفعالاته يستطيع عادةً الحفاظ على إيقاع ونبرة أكثر استقراراً حتى تحت الضغط". ولا يتوقف تأثير الكاميرا عند حدود الشاشة. فالنائب يعرف أنّ لحظة واحدة من سجالٍ قد تنتشر على مواقع التواصل أكثر من مُداخلة استمرّت دقائق. ويقول حبشي إنّ "الانتباه البشري ينجذب بسرعة إلى ما هو سلبيّ ومفاجئ، وهو ما يُعرف بـ"الانحياز إلى السلبيّة"، لذلك، قد تكون صرخة مفاجئة أو ضربة على الطّاولة أو انسحاب من القاعة أكثر قابليّة للاقتطاع والانتشار من مُداخلة طويلة وهادئة، حتى لو كانت الأخيرة أهمّ من حيث المضمون". وهنا يرى حبشي أنّ "للبثّ المباشر وجهين: فهو من جهة يُعزّز الشفافيّة ويتيح للمواطن متابعة ممثليه ومحاسبتهم، لكنه من جهة أخرى قد يمنح السياسيّ حافزاً إضافيّاً للاستعراض والمواجهة، لأنّ اللحظات الدراميّة تحظى عادةً بانتشار أكبر". ويلفت أيضاً إلى أنّ الردّ الهجومي قد يُستخدم أحياناً لتحويل مسار السؤال، فينتقل اهتمام الجمهور من "هل هذه المعلومة صحيحة؟" إلى "كيف تجرؤ على طرح هذا السّؤال؟"، مع تأكيده أنّ "السلوك العدواني بحدّ ذاته لا يثبت الكذب أو الخداع". صحيحٌ أنّ النقل المباشر يُقرّب المواطن أكثر ممّا يجري تحت قبّة البرلمان، لكن ما يصل إلى الشاشة لا يجب أن يجعل ارتفاع الصّوت أهم من قوّة الحجّة، ولا المشهد أهم من المضمون. ويبقى السّؤال: لو أُطفئت الكاميرات... هل كنّا سنُشاهد الجلسة نفسها؟