بمليارات الدولارات، ومئات الملايين من المتابعين، وجوائز مالية تتجاوز أضخم البطولات الرياضية التقليدية، فرضت الرياضات الإلكترونية (Esports) نفسها كواحدة من أكبر الظواهر الرياضية في القرن الـ21. ولم تكن رحلة الارتفاع الصاروخي لهذا القطاع وليدة المصادفة، بل مرت بمحطات مفصلية غَيّرت شكل اللعبة، من التجمعات المحدودة لعشاق أجهزة الكمبيوتر في التسعينيات، إلى بناء منظومة احترافية متكاملة في كوريا الجنوبية، وصولاً إلى الحقبة الحالية التي تقودها المملكة العربية السعودية بجعل الرياض مقراً لأكبر حدث في تاريخ اللعبة: كأس العالم للرياضات الإلكترونية. كيف وأين نشأت الرياضات الإلكترونية؟ نشأت الرياضات الإلكترونية كفكرة بسيطة قائمة على التنافس بين الهواة، وتطورت عبر العقود لتتحول إلى صناعة عالمية تتجاوز قيمتها المليارات من الدولارات. ويعود التاريخ الفعلي للرياضات الإلكترونية إلى خريف عام 1972 في أروقة جامعة ستانفورد (Stanford University)، حيث نظم الطلاب أول بطولة ألعاب إلكترونية مسجلة تحت اسم ألعاب أولمبياد الفضاء المجري (Intergalactic Spacewar Olympics) على لعبة سبايس وار (Spacewar). كانت المسابقة بسيطة والجوائز رمزية تتلخص في اشتراك سنوي لمجلة رويلنغ ستون (Rolling Stone)، ولكنها وضعت اللبنة الأولى لمفهوم التنافس بين اللاعبين. مع حلول ثمانينيات القرن الماضي، أدركت شركات الألعاب أهمية هذا الشغف التجاري والتنافسي. وقامت شركة أتاري (Atari) في عام 1980 بتنظيم بطولة سبيس إنفايدرز (Space Invaders Championship)، والتي جمعت أكثر من عشرة آلاف مشارك من مختلف الولايات الأميركية، لتكون أول بطولة واسعة النطاق في التاريخ. وخلال هذه الحقبة، انتشرت صالات الألعاب الإلكترونية المعروفة باسم الآركيد (Arcade)، وأسس والتر داي منظمة توين غالاكسيز (Twin Galaxies) لتسجيل الأرقام القياسية ومتابعة أعلى النقاط بين اللاعبين، ما أعطى المسابقات طابعاً رسمياً وشغفاً جماهيرياً متزايداً. جامعة ستانفورد أول محطة للرياضات الإلكترونية. (Getty) ثورة التسعينيات وظهور شبكات LAN والألعاب الجماعية في الرياضات الإلكترونية شهدت فترة التسعينيات نقطة تحول تقنية حاسمة مع انتشار أجهزة الكمبيوتر الشخصي (Personal Computer - PC) وتطور الإنترنت. وظهرت ألعاب التصويب من المنظور الأول والألعاب التكتيكية مثل دووم (Doom) وكوايك (Quake) ثم كونتر سترايك (Counter-Strike). هذه الألعاب لم تعد تعتمد على تحقيق أرقام قياسية فردية، بل على المواجهة المباشرة بين فريقين أو لاعبين في الوقت الفعلي. وشاع في تلك الفترة ما يُعرف بحفلات الشبكات المحلية (LAN Parties - لان بارتيز)، حيث كان اللاعبون يجتمعون في قاعات أو منازل ويحملون أجهزتهم الثقيلة لربطها بشبكة محلياً والتنافس في ما بينهم. وأدى هذا التجمع إلى تأسيس أولى المنظمات الاحترافية، وعلى رأسها دوري أبطال السيبرانيين المحترفين (Cyberathlete Professional League - CPL) عام 1997، والذي أقام بطولات رسمية بجوائز مالية قيمة، معلناً بداية خروج الألعاب الإلكترونية من نطاق الهواية إلى التنافس المالي المنظم. كيف حولت كوريا الجنوبية الرياضات الإلكترونية إلى قوة؟ كيف صنعت كوريا الجنوبية مفهوم الاحتراف المؤسسي في الرياضات الإلكترونية؟ وتُعد كوريا الجنوبية المهد الحقيقي لمفهوم الرياضات الإلكترونية الحديثة والسبب الرئيسي في تحويلها إلى صناعة رسمية. وفي أعقاب الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، اتخذت الحكومة في كوريا الجنوبية قراراً استراتيجياً بالاستثمار المكثف في البنية التحتية للاتصالات وشبكات الإنترنت عالي السرعة (Broadband - برودباند). ونتج عن هذا الاستثمار انتشار واسع لمقاهي الإنترنت المتطورة والمعروفة كورية باسم "بي سي بانغ" (PC Bangs)، والتي أصبحت المركز الاجتماعي الأساسي للشباب والطلاب للتسلية والتنافس بتكلفة منخفضة. وفي عام 1998، أطلقت شركة بليزارد (Blizzard) لعبة ألعاب الاستراتيجية الشهيرة ستار كرافت (StarCraft). ولاقت هذه اللعبة نجاحاً استثنائياً في كوريا الجنوبية، حتى أصبحت بمثابة الرياضة الوطنية للبلاد. من منافسات الرياضات الإلكترونية. وبفضل هذه الشعبية، ظهرت قنوات تلفزيونية متخصصة تبث المباريات على مدار الساعة مثل قناة "أون غيم نت" (OGN - OnGameNet) و"أم بي سي غيم" (MBC Game). ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تدخلت الدولة تنظيمياً، حيث تأسست الجمعية الكورية للرياضات الإلكترونية (KeSPA - كيسپا) عام 2000 تحت إشراف وزارة الثقافة والرياضة والسياحة الكورية. وقامت الجمعية بتنظيم عقود اللاعبين، وتأسيس الأندية، واعتمدت رعاية الشركات الكبرى مثل سامسونغ (Samsung) وإس كيه تيليكوم (SK Telecom)، مما جعل اللاعب المحترف (Pro Gamer - برو غيمر) وظيفة معترفاً