يقترب جنوب لبنان من لحظة أمنية شديدة الحساسية مع انتهاء مهمة "اليونيفيل"، فيما لم تتبلور بعد صيغة دولية نهائية لليوم التالي. وبين الاحتلال الإسرائيلي، واتساع المهمات المطلوبة من الجيش، وتعثر تنفيذ التفاهمات السياسية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من يملأ الفراغ؟ اجتماع باريس وضع الملف على طاولة خبراء عسكريين، لكنه لم يعلن الاتفاق على قوة بديلة أو تفويضها أو عديدها أو تمويلها. وفي ظل هذا الغموض، تبرز 4 سيناريوهات محتملة. السيناريو الأول هو تمديد مهمة "اليونيفيل" أو تعديل الجدول الموضوع لإنهائها. وتدفع فرنسا ولبنان في هذا الاتجاه انطلاقاً من أن الانسحاب الكامل للقوة الدولية قبل استقرار الحدود قد يترك فراغاً خطيراً. إلا أن هذا الخيار يصطدم بالاعتراض الإسرائيلي والتحفظ الأميركي السابق على إبقاء المهمة بصيغتها الحالية. السيناريو الثاني يتمثل في إنشاء بعثة دولية أصغر للمراقبة، لا تمتلك حجم "اليونيفيل" ولا صلاحياتها الميدانية الواسعة. وقد تتولى مراقبة وقف الأعمال القتالية والخط الحدودي وتوثيق الخروقات، فيما تترك المسؤولية الأمنية الأساسية للجيش اللبناني. غير أن نجاحها يبقى مرتبطاً بقبول إسرائيل ولبنان وبصدور غطاء دولي واضح. أما السيناريو الثالث، فهو بعثة أوروبية مدنية–عسكرية مهمتها تدريب الجيش وتجهيزه وتقديم الدعم التقني والاستخباراتي، من دون الانتشار كقوة فصل تقليدية. لكن سحب البند المتعلق بهذه البعثة من جلسة الحكومة أظهر أن الصيغة لم تنضج بعد، أو أن بيروت تنتظر توافقاً دولياً أوسع قبل الالتزام بها. السيناريو الرابع هو توزيع المهمة بين أكثر من جهة: الجيش اللبناني ينتشر ميدانياً، بعثة دولية محدودة تراقب الحدود، ودول غربية وعربية تتولى التمويل والتدريب والاستطلاع. وهذه الصيغة قد تكون الأكثر واقعية، لكنها تحتاج إلى قيادة موحدة وتحديد دقيق للصلاحيات كي لا يتحول الجنوب إلى ساحة بعثات متداخلة بلا مرجعية واحدة. المشكلة أن جميع السيناريوهات تفترض قدرة الجيش على الانتشار الواسع، بينما لم تُعلن حتى الآن حزمة دعم مالي وعسكري توازي المهمات المطلوبة منه. كما أن بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية يجعل أي ترتيب ناقصاً، إذ لا يمكن بناء استقرار دائم بوجود احتلال وقرى مهجّرة وحدود تحكمها قواعد ميدانية متبدلة. المعركة المقبلة ليست فقط على اسم القوة التي ستخلف "اليونيفيل"، بل على وظيفتها: هل تراقب الانسحاب الإسرائيلي؟ هل تساعد الجيش؟ هل تتولى التحقق من حصرية السلاح؟ ومن يحدد وقوع الخرق ويملك حق الرد عليه؟ حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية. لكن المؤكد أن انتهاء "اليونيفيل" من دون بديل واضح وممول، ومن دون انسحاب إسرائيلي كامل، قد يحول الفراغ الدولي إلى أخطر فراغ أمني شهده الجنوب منذ سنوات.