تكفي صورة طفل وحيد أمام شجرة عائلة ممتلئة بالأسماء والوجوه لفتح سؤال يتجاوز عدد أفراد الأسرة: ماذا يبقى من هذه الشجرة إذا تكرّر نموذج الطفل الواحد جيلاً بعد آخر؟ خلف الطفل أجداد أنجبوا أبناءً أسّسوا بدورهم عائلات متشعّبة. أمامه، قد تتراجع الأغصان تدريجياً، إلى أن تنكمش شبكة الإخوة والأعمام والأخوال وأبناء هؤلاء في خطٍّ عائلي ضيّق يصل والدين بابن واحد، وربما بحفيد واحد لاحقاً. يبدو التحوّل هادئاً في بدايته. كرسي أقلّ حول المائدة، غرفة واحدة للأطفال، وصورة عائلية أصغر حجماً. غير أنّ أثرَه الحقيقي يظهر مع مرور السنوات، عندما يتقدّم الوالدان في العمر، وتبدأ مسؤوليات الرعاية، وتُفتح ملفات الإرث، ويكتشف شخص واحد أنّ عليه حمل ما كانت تتقاسمه عائلة كاملة. تحوّل إلى بنية العائلة العمودية. (صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي) الولد الوحيد: عائلة تمتدّ في الزمن وتضيق في الأشخاص يستخدم علماء الاجتماع مفهوم "العائلة العمودية" لوصف بنية تضمّ أجيالاً عدّة تعيش في الوقت نفسه، نتيجة ارتفاع متوسط العمر، فيما يتراجع امتدادها الأفقي الذي يصنعه تعدّد الإخوة والأقارب داخل الجيل الواحد. قد يعرف الطفل أجداده، لكنه يكبر مع عدد محدود من الأشخاص الذين يتقاسم معهم النسب والذاكرة والمسؤولية. تصبح العائلة أطول زمنياً وأقلّ اتساعاً بشرياً، فيما يتركّز "رأسمال القرابة" في أفراد قلائل. هذا الرأسمال لا يُقاس بعدد الأسماء في شجرة النسب وحده. إنّه مجموع العلاقات التي تمنح الفرد سنداً اجتماعياً وعاطفياً: أخ يجيب عن اتصال طارئ، أخت تتولّى موعد الطبيب، قريب يستطيع المشاركة في قرار لا يحتمل أن يبقى على كتفين اثنين. يأتي هذا التحوّل في سياق ديموغرافي عالمي. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لعام 2024، أصبحت معدلات الخصوبة دون مستوى الإحلال السكاني، البالغ نحو 2.1 ولادة لكل امرأة، في 55 في المئة من دول العالم ومناطقه، وهي دول تضمّ أكثر من ثلثي سكان الكوكب. لا تعني هذه الأرقام أنّ جميع الأسر اتجهت إلى إنجاب طفل واحد، إذ تشمل أيضاً تأخّر الزواج والإنجاب وارتفاع نسب عدم الإنجاب. إلا أنّها ترصد انتقالاً واضحاً نحو عائلات أصغر، تتراجع فيها كثافة العلاقات العائلية التقليدية. قد يكبر الطفل الوحيد محاطاً بالاهتمام، لكنه يجد نفسه لاحقاً أمام مسؤوليات عائلية لا يشاركه فيها أخ أو أخت. (Pexels / Pew Nguyen) حين تُهندس الظروف أكثر قراراتنا حميمية يبقى عدد الأطفال قراراً شخصياً في ظاهره، فيما تشارك الظروف الاقتصادية والاجتماعية في رسم حدوده الفعلية. ففي مسح أجراه صندوق الأمم المتحدة للسكان بالتعاون مع "يوغوف"، وشمل نحو 14 ألف شخص في 14 دولة، قال قرابة 20 في المئة من البالغين في سنّ الإنجاب إنهم يتوقّعون عدم الوصول إلى عدد الأطفال الذي يرغبون فيه. كلفة السكن والتعليم والرعاية الصحية، وهشاشة فرص العمل، وصعوبة التوفيق بين المهنة والعائلة، والخوف من الحروب والأزمات، تدخل جميعها إلى أكثر المساحات خصوصية في حياة الإنسان. وهكذا، لا يعود السؤال مرتبطاً فقط بالرغبة في الإنجاب، إنما بالقدرة على منح الطفل حياة يشعر والداه بأنها لائقة وآمنة. في لبنان، يحمل هذا السؤال ثقلاً إضافياً. كثيرون يتخيّلون عائلة أكبر، ثم يبدأ الحساب: قسط المدرسة، كلفة الاستشفاء، ضيق المنزل، راتب غير ثابت، وربما مشروع هجرة مؤجّل. يتراجع الحلم أمام الأرقام، ويتحوّل عدد الأطفال من رغبة عاطفية إلى معادلة اقتصادية شديدة القسوة. لهذا، لا يمكن اختزال تقلّص العائلات بتغيّر القيم أو تراجع الرغبة في الأمومة والأبوة. أحياناً، تكون الأسرة الصغيرة شاهداً على المسافة الفاصلة بين الحياة التي يتمناها الناس والحياة التي تسمح بها ظروفهم. اقتصاد الرعاية… مسؤولية بلا بديل تظهر التداعيات الأكثر حساسية عندما يتقدّم الوالدان في العمر. في غياب الإخوة، يصبح الطفل الوحيد المرجع الأول في متابعة العلاج والمصاريف والمعاملات والقرارات اليومية. وقد يجد نفسه عالقاً بين تربية أولاده ورعاية والديه والحفاظ على عمله، من دون مساحة حقيقية للانسحاب أو الاستراحة. في غياب الإخوة، يصبح الطفل الوحيد المرجع الأول في متابعة علاج الوالدين. (صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي) تصف هذه الحالة ما يمكن تسميته "اقتصاد الرعاية" داخل الأسرة: وقت غير مدفوع، وجهد عاطفي وذهني، ومهام صغيرة تتراكم بصمت. حجز موعد، تأمين دواء، مرافقة إلى المستشفى، إصلاح عطل في المنزل، وطمأنة والدين يخافان من الشيخوخة. أعمال تبدو منفصلة، لكنها قد تستنزف حياة شخص واحد على مدى سنوات. تزيد الهجرة هشاشة هذه البنية في لبنان. فقد تبدو العائلة كبيرة في سجلّ النفوس وصور الأعياد القديمة، ثم يتبيّن عند الحاجة أنّها موزّعة بين مدن وقارات، وأن شخصاً واحداً بقي قريباً من منزل الأهل. هذا الشخص يعرف الطبي