في خطوة معاكسة لما كان يرمي إليه التيار العوني من جلسة مناقشة الحكومة أو مساءلتها في مجلس النواب، والتي رغب فيها كرافعة للمعارضة التي يقول إنه يقودها، وانحصرت بكتلته، أتاحت الثقة المتجددة بحكومة الرئيس نواف سلام تذخيره بعنصر قوة قبيل توجهه إلى المشاركة في أعمال الجمعية العمومية لـ الأمم المتحدة واللقاءات المتعددة والواسعة التي سيعقدها على هامشها، ولا سيما اجتماعه المرتقب مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. فالموقف من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل واستعادة لبنان سيادته بعيدا من أن يكون "ساحةً لصراع المحاور، ونحاول وضع حدّ لمنطق التبعية أو الاستقواء بالخارج، أيًا يكن مصدره"، هو المنطق الذي يجد صدى في الخارج، جنبا إلى جنب مع العرض الذي قدمه سلام كخريطة طريق واضحة و"وجهة الحكومة": "إصلاح مالي واقتصادي لا يكتمل من دون مواكبتكم التشريعية، واستكمال بسط سلطة الدولة، وحصر السلاح بيدها، والعمل على ضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل وإعادة الإعمار". والأهم في هذا السياق مشاركة كتلة رئيس مجلس النواب نبيه بري في إعطاء الحكومة الثقة، بما في ذلك المسار التفاوضي الذي يبدي بري اعتراضه عليه ربطا بنتائجه. والبعض يضيف الثقة المتجددة من الحزب التقدمي الاشتراكي، على رغم ملاحظات وليد جنبلاط على اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان مع إسرائيل. وما لا يقل أهمية هو اضطرار كتلة "حزب الله" إلى مغادرة القاعة تفاديا لإحراج كبير أمام أيّ خيار تعتمده، وكي لا تظهر على تناقض مع حليفها في الثنائي الشيعي، هي التي لم تجد من ضمن الكتل النيابية من يدافع عن الحزب و"مقاومته"، فيما ضنت على حليفها الافتراضي، التيار العوني، بالإسناد الذي يحتاج إليه. الجلسة ككل كان يمكن تفاديها، وقد كشفت عن عورات كثيرة لا يمكن حصرها، وكل ذلك دلالة كبيرة معلنة على الواقع الراهن، ويمكن البناء عليه على مستويات متعددة من جانب الدولة اللبنانية. إنها عناصر يستطيع سلام استثمارها في الأمم المتحدة التي يعرف مفاتيحها، من أجل حشد ما يمكنه من دعم له في شكل أساسي- وقد كان ماهرا في خطابيه ومترفعا عن الإسفاف- ودعم حكومته وللمسار الذي تعتمده. وهي ليست نقاطا بسيطة يمكن تجاهلها في سياق ما يواجهه لبنان في الداخل، على رغم أن مغامرة طرح الثقة بالحكومة كانت محكومة بالفشل على نحو مسبق، لاعتبارات محلية أبرزها عدم دخول أيّ عناصر تساهم في تغيير التوازنات السياسية التي فرضت تأليفها في الأساس، بحيث أن أيّ تغيير يمكن أن يطاولها، لن يأتي بتوازنات مختلفة. يضاف إلى ذلك احتمال إدخال البلد في أزمة حكومية هو في غنى عنها في هذا المرحلة الحساسة. وتاليا، سيقفل باب السعي لدى البعض إلى تغيير حكومي على وقع اعتراضات أو تحفظات عن أداء بعض وزرائها، إلى أجل غير مسمى. وإذا كان ثمة من يرى أن هذا يعدّ تحميلا لجلسة مناقشة الحكومة أكثر مما تحتمل، علما أنه كان يمكن تجنبها، فإن الأمر لا ينفي أن المعطيات تزخم مسار السلطة التنفيذية ككل وتضعف التحفظات علنها مرحليا على الأقل، وتوفر لها فرصة جديدة أو متجددة، وهو ما يرتب عليها في المقابل تنفيذ التزاماتها إزاء المطلوب منها داخليا وخارجيا. وتتزامن هذه التطورات مع انعقاد مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني من ضمن إخراج إقليمي عبر الأردن وما يسمى "مبادرة العقبة"، بما يساعد لبنان على "ترميم" علاقته بـ باريس بعد تصدعات نتيجة الرهان الكلي للدولة اللبنانية على الخيار الأميركي وحده وعدم دفاع لبنان ما يكفي عن تحالفاته الأخرى، ويضعف أي انتقادات أميركية أو حتى إسرائيلية في هذا الاتجاه على خلفية حيثية الأردن بالذات الذي يتلقى أيضا اعتداءات إيران نيابة عن الأميركيين. الكرة في ملعب لبنان من زاوية أن خياراته بحصرية السلاح سلما وليس عبر الصدام كما أكدت السلطة التنفيذية أكثر من مرة، تفترض بلورة خيارات تؤدي إلى أن تمارس الدولة سلطتها كاملة وبحزم حيث هي موجودة، فتقيم "حصارا" عملانيا على "حزب الله" ومشروعه، ولا سيما في ظل حاجته إليها على مستويات مختلفة، على نقيض ما يعتبره كثيرون تريثا مكلفا ومستنزفا للدولة واللبنانيين ككل.