صدر للكاتب رائد سامي شهيب كتابان جديدان، هما "تمرّد المعنى على الحرف: تجربة عرفانية مستقاة من نهج الشهداء" و"معراج تسامي الهمم" عن مؤسسة دار النهار في تجربة فكرية وعرفانية تنطلق من سؤال الإنسان عن المعنى، وتضع تجربته الوجودية والروحية في مواجهة مباشرة مع الأوهام الموروثة، وحدود اللغة، وما تختزنه الحياة من أسئلة لا تكفي الكلمات وحدها للإجابة عنها. ينطلق شهيب في كتابيه من تجربة شخصية عميقة، تشكّلت عند حافة الموت، حيث تبدو الحياة، وفق رؤيته، أكثر انكشافاً، وتسقط الكثير من القناعات التي اعتاد الإنسان أن يتعامل معها بوصفها حقائق نهائية. ومن هذه المسافة بين الخوف والانكشاف، وبين التجربة والوعي، تتأسس محاولة الكاتب لإعادة النظر في ما ورثه من أفكار وتصورات، بحثاً عن معنى أكثر رحابة وأقل خضوعاً للجاهز والمألوف. وفي "تمرّد المعنى على الحرف" يذهب شهيب إلى مساءلة العلاقة بين الكلمة والمعنى، وبين ظاهر النص وما يمكن أن يختبئ خلفه من إشارات ودلالات. فالكتاب لا يتعامل مع المعنى بوصفه حقيقة جاهزة يمكن امتلاكها، بقدر ما يقدّمه كرحلة بحث واكتشاف، تبدأ من تفكيك أسر الحرف ولا تنتهي عند حدود التأويل. ويكتب شهيب في تقديم تجربته: "لا يُطلب من القارئ هنا أن يُصدّق، بل أن يجرؤ على التدرّج من عينٍ ترى إلى قلبٍ يُبصر" في إشارة إلى طبيعة المشروع الذي يقترحه على القارئ؛ مشروع لا يقوم على تلقين إجابات نهائية، بل على تحفيز الأسئلة، ومراجعة المسلّمات، والانتقال من القراءة بوصفها فعلاً ذهنياً إلى القراءة باعتبارها تجربة داخلية. أما "معراج تسامي الهمم" فيواصل هذا المسار من زاوية أخرى، متابعاً فكرة الارتقاء الداخلي وتجاوز حدود الوعي المعتاد، في تجربة تتقاطع فيها الأسئلة الروحية مع التأمل في الإنسان ومصيره وعلاقته بذاته وبالعالم من حوله. ويصف الكاتب الكتابين بأنهما ثمرة تجربة "عرفانية مُضنية" أدّت، كما يقول، إلى تكسّر كثير من "البرمجيات الموروثة" وتصدّع جدران الأوهام التي بدت في وقت ما أشبه باليقين. ومن هنا تأتي الكتابة باعتبارها محاولة لإزاحة بعض حُجُب الوهم، لا باعتبارها امتلاكاً للحقيقة أو ادعاءً للوصول النهائي إليها. ولا تنفصل التجربة التي يقدمها شهيب عن مفهوم الرحلة؛ فالكتابان، في جوهرهما، دعوة إلى عبور يبدأ من الحرف، لكنه لا يتوقف عنده، ومن المعرفة التي تُقرأ بالعقل نحو معرفة أخرى تُختبر بالقلب والتجربة. وفي هذا العبور، تصبح اللغة وسيلة للإشارة إلى ما قد تعجز عن احتوائه بصورة كاملة. ويحمل الكتاب الأول، من عنوانه إلى بنيته الفكرية، توتراً مقصوداً بين "المعنى" و"الحرف": بين ما تقوله الكلمات وما قد يتجاوزها، وبين النص بوصفه شكلاً ثابتاً والتجربة بوصفها كائناً حياً يتغير بتغير القارئ وأسئلته وموقعه من الحياة. بهذا المعنى، لا يقدّم رائد سامي شهيب كتابيه باعتبارهما مؤلَّفين نظريين فحسب، إنما بوصفهما أثر تجربة شخصية تحوّلت إلى كتابة؛ تجربة بدأت عند لحظة انكشاف قاسية، ثم امتدت إلى مراجعة الذات والموروث واليقين، وانتهت إلى محاولة الإمساك بمعانٍ أوسع من قدرة اللغة على تطويقها. ويقول شهيب عن هذه الرحلة: "الكتابان بمثابة تجربة لا تُقال إنما تُعاش" وهي العبارة التي تختصر إلى حد كبير الرهان الذي يضعه أمام القارئ: ألا يكتفي بقراءة النص، بل أن يدخل معه في تجربة تأمل ومساءلة، وأن ينتقل من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في اكتشاف المعنى. "تمرّد المعنى على الحرف" و"معراج تسامي الهمم" متوافران حالياً في معظم المكتبات، ويشكّلان معاً مشروعاً كتابياً واحداً في جوهره: رحلة من أسر الحرف إلى رحابة المعنى، ومن اليقين الموروث إلى سؤال الحقيقة، ومن المعرفة التي تُقال إلى المعرفة التي تُعاش.