تتجه الأنظار إلى قصر العدل مع وصول النسخة النهائية لقانون العفو العام إلى النيابة العامة التمييزية، تمهيدًا لتوقيعه من قبل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ودخوله مرحلة التنفيذ رسميًا. لكن المسار الفعلي لتطبيق هذا القانون لن يكون ممهدًا أو سريعًا كما يشتهي السجناء وعائلاتهم. إذ تشي الكواليس القضائية بدخول الملف في نفق من الإجراءات والتدقيق الفردي وتضارب التفاصيل التي ستستهلك وقتًا ليس بقصير.وبحسب مصدر قضائي لـ"المدن"، ينكب النائب العام التمييزي أحمد رامي الحاج حاليًا على دراسة متن القانون للوقوف على كافة تفاصيله. ومن المرتقب أن يصدر القاضي الحاج تعميمًا موجهًا إلى كافة النيابات العامة يحدد فيه الآلية الرسمية والخطوات العملية للتعاطي مع ملفات المشمولين بالعفو. يأتي هذا التعميم للحدّ من الإرباك القائم، لا سيما في ظل التداول المتزايد لأكثر من نسخة وتسريبات متناقضة حول النص النهائي للقانون. آلية تقديم الطلباتلن يترجم صدور القانون بإخلاءات سبيل جماعية ومباشرة، بل سيبدأ المسار الإجرائي عبر تقديم المحامين طلبات رسمية أمام النيابات العامة المعنية. ستتولى الأجهزة القضائية دراسة كل ملف على حدة، ومطابقة وضع كل موقوف أو محكوم مع المواد والاستثناءات التي نص عليها القانون.هذه العملية الفردية ستستهلك جهدًا وزمنًا مضاعفين، وهو ما يعني عدم وجود نتائج سريعة أو ملموسة في المدى القريب. وتؤكد المصادر أن الوتيرة الفعلية للبتّ في هذه الطلبات لن تنطلق بشكل جدي إلا بعد انتهاء العطلة القضائية في 15 أيلول المقبل، ما يضع الملف أمام مسار زمني طويل. معضلة غير المحكومين والسجل العدليأبرز العقبات التي ستعرقل السرعة المرجوَّة تكمن في متابعة ملفات الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام مبرمة بعد. فخلافًا للمحكومين بأحكام نهائية، يُشكل ملف الملاحقين عقبة لوجستية وقانونية كبيرة. إذ أن السجل العدلي، أو ما يعرف بالنشرة العدلية، لا يُسجل إلا الأحكام المبرمة الصادرة عن المحاكم، ولا يظهر ملفات الملاحقة أو الدعاوى القائمة التي لا تزال قيد التحقيق أو المحاكمة.سيفرض هذا الواقع على القضاة مراسلة المحاكم والنيابات العامة في مختلف المناطق للتقصي عن ملف كل شخص على حدة، والتأكد ما إذا كانت هناك قضايا أو ملاحقات أخرى بحقه في أقضية أو محافظات مختلفة. ستتطلب عملية المراسلات القضائية بين المناطق وتبادل المحاضر والردود عليها مدى زمنيًا ليس بالقصير قبل تمكن القضاة من اتخاذ القرارات المناسبة التي تتلاءم مع نص قانون العفو. التباس المصطلحاتوبحسب مصادر "المدن"، يبرز التباس قانوني في صياغة بعض المصطلحات والبنود، لا سيما تلك المتعلقة بالاستثناءات. وتتجه التساؤلات نحو المواد الخاصة بجرائم التزوير، وتقليد النقد الوطني والأجنبي وترويجه، حيث تسود ضبابية حول حدود العفو ونطاق شموله لهذه الجرائم.أما الإشكالية الأبرز فترتبط باستثناء الجرائم المتعلقة بـ "أموال المودعين". وفي هذا السياق، تلفت مصادر النيابة العامة المالية لـ"المدن" إلى أن قانون العقوبات اللبناني لا يتضمن بندًا أو توصيفًا جرميًا صريحًا تحت مسمى "جرائم أموال المودعين"، وهذا ما يفتح الباب أمام اجتهادات وتفسيرات قضائية متعددة قد تؤخر البت في هذه الملفات. تحول الدعاوى واكتظاظ السجونشمل قانون العفو قضايا أثرت في النسيج الاجتماعي اليومي، كقضايا الاحتيال، وإساءة الأمانة، والضرب، والإيذاء. غير أن شمولها بالعفو لا يعني مسح حقوق المتضررين. إذ تتحول هذه القضايا من دعاوى جزائية إلى دعاوى مدنية لحفظ الحقوق الشخصية.سيفرض هذا التحول على القضاة النظر فيها وفق الأصول المدنية، وهي مسارات قضائية معروفة ببطئها واستغراقها فترات زمنية طويلة للبت فيها صدورًا وتنفيذًا.وعليه، فإن هذا المسار الإجرائي المعقد يشير إلى واقع مهم: في الوقت الذي سيتحرر فيه بعض السجناء بموجب قانون العفو، تستمر التوقيفات الجديدة في القضايا اليومية. وهذا يعني حكمًا أن قانون العفو العام لن يؤدي بالضرورة إلى حل أزمة اكتظاظ السجون أو تخفيف حقيقي ومستدام لأعداد الموقوفين، طالما أن آليات البت بطيئة وأن شريان التوقيفات التراكمية مستمر بالوتيرة نفسها.