فيما تسير وزارة التربية في خطة دمج المدارس والثانويات الرسمية لتخفيف هدر المال العام، تستمر العوائق المحلية والمناطقية في عرقلة هذا المسار الإصلاحي، الذي كان يجب أن ينفذ منذ عشرات السنوات. وما فاقم من تصاعد حدّة الانتقادات المحلية أن خطة الدمج التي تسير بها الوزارة غير قائمة على معايير علمية موحدة، كما يتهمها المعارضون. أما وزيرة التربية، التي تدافع عن خطتها، فتعتبر أن الاعتراضات هدفها إجهاض أي إمكانية للإصلاح في هذا القطاع، مؤكدة أن المعايير علمية وهدفها تقليص الهدر. ما كادت وزيرة التربية تعلن بدء مرحلة دمج المدارس والثانويات، بعد صدور القرارات بأسماء المدارس، حتى تصاعدت الصرخة لمنع خطة الدمج ووقفها. وإلى جانب الاستنجاد بالمرجعيات الدينية والزعامات المحلية لوقف خطة الدمج، تشكو الخطة بعض الثغرات تتمثل في الاستثناءات الطفيفة. وقد تؤخذ الأخيرة ذريعة من الرافضين للدمج لعرقلة التطبيق. فعلى سبيل المثال لم يصار إلى إقفال كل مدرسة أو ثانوية يقل عدد طلابها عن رقم محدد. وثمة إدارات استعانت بطائفتها وبالزعامات المحلية لاستثنائها من قرار الدمج أو للإبقاء على هيئتين إداريتين في مدرسة واحدة! أحد الأمثلة على ضرورة دمج المدارس وتخفيف الهدر يتمثل في ثانوية جبيل فرع حصارات. فرغم قرار إقفالها الذي صدر عن الوزارة، مضت إدارة الثانوية في إعلان فتح باب التسجيل للعام الدراسي المقبل. وحركت الإدارة فعاليات محلية زارت البطريرك بشارة الراعي. وتبين أن عدد طلاب الثانوية في العام 2024-2025 كان 23 طالباً، عشرة منهم في الصف الأول ثانوي، يخصص لهم عشرات الأساتذة. والأسوأ أنه لا يوجد أي مستند رسمي وقانوني لإنشاء الثانوية. كما أنها لا تبعد إلا بضعة كيلومترات عن ثانوية منى عدوان القرداحي في جبيل نفسها، أو عن ثانوية عمشيت الرسمية وثانوية ميفوق الرسمية. الأمثلة المماثلة لثانوية جبيل كثيرة، منها دمج ثانوية مشمش (لا مدير لها) وعدد طلابها قليل مع ثانوية أهمج، وتجري وساطات حالياً لعدم دمجها. المعترضون على خطة الدمج يعطون أمثلة كثيرة عن عدم وجود معايير موحدة في الخطة. فعلى مستوى دمج الإدارة كان يفترض بالدمج تكريس إدارة واحدة، إذا كان الهدف تخفيف الأعباء المالية. لكن الوزارة دمجت الإدارة في مدارس وفي أخرى أبقت على مديرين. ويتهم المعترضون الوزارة بالاستنسابية في هذه الاستثناءات، لأنها تأتي بحسب نوع الوساطة التي تدعم المدير. ويعطون أمثلة عدّة منها مدرسة ضبية التي تضم 120 طالباً قبل الظهر ونحو 200 بعد الظهر، وجرى دمجها مع مدرسة انطلياس التي تضم عدد الطلاب نفسه. وصحيح أن مدرسة ضبية مستأجرة ويطالب صاحب الملك برفع الإيجار، إلا أن الوزارة دمجت المدرسة وأبقت على إدارتين. في مناطق أخرى لم تقفل الوزارة أو تدمج ثانويات ومدارس رغم أن عدد طلابها أقل من عشرين طالباً كما هي الحال في تنورين ومناطق أخرى في قضاء البترون. أما في منطقة بعبدا فقد قررت الوزارة دمج ثانوية الحدث مع ثانوية كفرشيما رغم أن الثانوية موجودة في مبنى تكميلية بعبدا وهو ملك للدولة وغير مستأجر. ودائماً في بعبدا، قررت الوزارة دمج مدرسة سبنيه في مدرسة بعبدا رغم أن الأولى تعلم إنكليزي والثانية تعلم فرنسي. والمصيبة أن مدرسة بعبدا لا تستطيع افتتاح شعب إنكليزي لأنها تعمل بكل قدرتها الاستيعابية أصلاً، هذا فضلاً عن عدم إمكانية التعاقد مع أساتذة جدد. وهذا يعني، بحسب المصدر، أن الوزارة رمت الطلاب في الشارع وقالت لأهلهم دبروا أموركم! الوزيرة كرامي تؤكد مضيها في خطة الدمج التي كان يفترض أن تحصل منذ أكثر من عشرين عاماً لتقليص الهدر والفساد في الوزارة، وهي خطوة إصلاحية مطلوبة لبنانياً ودولياً. وتفيد المصادر أن كرامي لم تبتدع هذا الملف بل هو على جدول أعمال الوزارة. وفي مطلع العام الدراسي الفائت، أي منذ أكثر من سنة، لم تطبق الدمج وأعطت المدارس وفعاليات المناطق مهلة سنة كاملة لتحسين أوضاع المدارس وزيادة عدد الطلاب. لكن لم يحرك أحد ساكناً. اليوم عندما أتى موعد الإقفال والدمج بدأت ترتفع الأصوات رفضاً للدمج بحجة الدفاع عن المدرسة الرسمية. أما حقيقة الأمر فلا تعدو إلا دفاعاً عن نفوذ ومحسوبيات وأصوات انتخابية. وتضيف المصادر أن خطة وزارة التربية للدمج هدفها الأول والأخير تقليص الهدر في القطاع الرسمي، إذ لا يجوز أن تفتح مدرسة بعشرة وعشرين طالباً، ومبناها مستأجراً، فيما هيئتها التعليمية تزيد عن ثلاثين أستاذاً ومعلمة. وتشرح المصادر أن معايير الدمج واضحة للجميع وهي ألا يقل عدد الطلاب عن خمسين طالباً في حال كان مبنى المدرسة ملكاً للدولة، أما في حال كان المبنى مستأجراً ويطالب أصحابه بزيادة قيمة الإيجار، عملاً بقانون الإيجارات الجديد، فقد يتم دمج مدرسة مع أخرى قريبة حتى لو كان عدد طلابها يزيد عن مئة طالب. وتضيف المصادر أن خطة الدمج تقوم ب