صدر عن دار نلسن كتاب "كيف كُتِبَ التاريخ الإسلامي؟" لوليد نويهض. هناك عشرات الكتب تدور حول الأسئلة المتّصلة بموضوع التاريخ. ودائماً تأتي الأجوبة متضاربة في معناها ومبناها. سؤال: ما هو التاريخ؟ عليه خلاف. والاختلاف هو على التعريف. وسؤال: كيف كُتِبَ التاريخ؟ عليه خلاف. والاختلاف هو على المنهج، وسؤال: ما هي مصادر التاريخ؟ عليه خلاف. والاختلاف على دقّة المراجع. وسؤال: ما هي أدوات التاريخ؟ عليه خلاف. والاختلاف على صحّة المعلومات وتعاقب الأخبار وقنوات استخراجها واستنباطها.(*) حتى الآن لا تزال الفجوات واسعة بين مختلف المؤرّخين والفلاسفة والعلماء على قراءة المعلومات وترتيبها والتدقيق في صحّة مصادرها. فالتشكيك في دقّة النقل، وانحياز المؤرّخ وعدم حياديّته، واحتمال تدخّله في قراءة الأخبار... كلّها ملاحظات يمكن أن نجدها في مختلف بحوث النقّاد التي تتخوّف من حصول تزوير أو احتيال في نقل المعلومات من مصادرها الأصليّة. هذا التشكيك في قراءة حوادث التاريخ يعود سببه إلى أن لكلّ مؤرّخ له وجهة نظر مختلفة عن الآخر. هناك من يأخذ بالرواية الشفهيّة، وهناك من يرفضها. هناك من يعتمد على الآثار والنقد والصكوك والمراسلات والرحلات (الوصف، الانطباع والمشاهدة)، وهناك من يعتبرها غير كافية. هذه الفوضى في التعريفات والمناهج والمصادر وصحّة النقل وانحياز المؤرّخ، تنسحب أيضاً على الكتابات التأريخيّة في مختلف عهود الإسلام وما قبل الإسلام. منهج التشكيك في دقّة الأخبار المنقولة لا يزال ساري المفعول إلى أيامنا وتحديداً عن فترة "الجاهليّة" والقرن الأول (المئة السنة الأولى من الإسلام) بذريعة عدم وجود معلومات ومستندات ووثائق تؤكّد صحّة الأخبار. بالعودة إلى كتب التاريخ، يمكن ترسيم لوحة عن الفترة الجاهليّة. فالروايات تعتمد على الشعر (القصائد) وأسلوب المعاش وأمكنة التلاقي ودَور كبار العمر (الشيوخ وحكماء القبائل). فاليعقوبي مثلاً وصف تلك المرحلة في تاريخه فهو يقول عن حكام العرب قبل الإسلام "وكان للعرب حكّام ترجع إليها في أمورها، وتتحاكم في منافراتها، ومواريثها، ومياهها، ودمائها، لأنه لم يكن دين يرجع إلى شرائعه، فكانوا يحكّمون أهل الشرف، والصدق، والأمانة، والرئاسة، والسنّ، والمجد، والتجربة". (*) إلى جانب أهل الشرف والرئاسة والتجربة، يأتي دور الشعراء، إذ يذكر اليعقوبي في تاريخه "وكانت العرب تقيم الشعر مقام الحكمة وكثير العلم" إذ كان في القبيلة "الشاعر الماهر"، ويجعلون منه "فخراً من فخرهم، وشرفاً من شرفهم". فالشاعر مهمّ والشعر هو المرجع، إذ "لم يكن لهم شيء يرجعون إليه من أحكامهم وأفعالهم شيء إلّا الشعر".(*) يلعب الشاعر دوره في تسجيل الحوادث وحفظها في القصائد، لذلك اعتُبر ديوان الشعر العربي من أهم مصادر التاريخ. إلى أهل الشرف والشعراء يأتي دور الأسواق العربيّة. فالسوق هو مكان الشراء والبيع وأيضاً مساحة للتعارف والاحتكاك والحوار ونقل الأخبار وتبادل المعلومات. برأي اليعقوبي: "كانت أسواق العرب عشرة أسواق يجتمعون بها في تجارتهم، ويجتمع فيها سائر الناس، ويأمنون فيها دماءهم وأموالهم". وأهم تلك الأسواق دومة الجندل، المشقر في هجر، صُحار، الشِّحر، عدن، صنعاء، الرابية في حضرموت، عُكاظ في نجد، وذي المجاز، ومكة... و"كان العرب جميعاً بين هؤلاء تضع أسلحتهم في الأشهر الحرم".(*) العرب قبل الإسلام كانوا مجموعة قبائل (غسان، عدنان، قحطان، كلب، تيم، الجلندي، كندة، قريش، مضر، أسد، طيء، بكر، كنانة، عامر، تميم، حنظلة، مناة، هذيل، شيبان، نزار, يمن, قيس, وغيرهم) توافقت على مبادئ مشتركة، وخضعت لنظام من التعايش والتراحم وعدم الاقتتال "في الأشهر الحرم". بهذا الأسلوب أسّس اليعقوبي منهجه في قراءة حوادث التاريخ قبل الإسلام وبعده. كذلك فعل الواقدي في تاريخه عن الإسلام، فهو ذكر مراجعه (شيوخه) حين كتب "فتوح الشام"، معتمداً منهج التتابع (التسلسل) إذ يأتي على تسمية رجال السلسلة في الصفحات الأولى من مطلع تاريخه.(*) منهج حدّثني فلان عن فلان اعتمده الرعيل/المؤسّس للكتابات التاريخيّة في الجيل الأول للإسلام وهو شكّل في مجموعه المادة الأوليّة للجيل الثاني. هذه مجرّد أمثلة يمكن سحبها وإسقاطها على كل أخبار المؤرّخين والرحّالة. ابن الفقيه مثلاً، [اتّهمه النديم في الفهرست بالسرقة والتزوير والتدليس] وصف في كتابه "البلدان" التي زارها أو قرأ عنها أو نقل الأقوال بشأنها (33 مدينة وناحية ومنطقة من مكّة والطائف والمدينة واليمامة والبحرين واليمن إلى مصر والمغرب والشام والروم والعراق وفارس وكرمان، وصولاً إلى قزوين وطبرستان وأذربيجان وأرمينيا وخراسان والترك). أتى ابن الفقيه على وصف الحياة والعادات والتقاليد ونسبة الخراج وطبيعة الإقليم (7 أقاليم) ومناخه إضافة إلى تاريخه وحكامه وأساطيره. كانت دائرة كتاب "البلدان" واسعة، ح