قبل أكثر من نصف قرن، كتب البابا بولس السادس في رسالته Populorum Progressio أن “التنمية هي الاسم الجديد للسلام”. ولهذه الكلمات معنى خاص بالنسبة إلى لبنان اليوم. أكتب بصفتي أسقفاً كاثوليكياً، تنطلق رؤيتي من تجربتي الرعوية. خلال الحرب، كنت أزور العائلات النازحة بشكل شبه يومي، وأتنقّل إلى القرى المسيحية في جنوب لبنان. أصغي إلى عائلات فقدت منازلها ومصادر رزقها، وإلى أشخاص يخافون من العودة، أو يتساءلون ما إذا كان لأولادهم مستقبل هناك أصلاً. عزّزت هذه التجارب اقتناعي بأن قرارات الحرب والسلام يجب أن تكون بيد الدولة اللبنانية، وأن على جميع اللبنانيين أن يلجأوا إلى المؤسسات نفسها طلباً للأمن. لكنها دفعتني أيضاً إلى التساؤل: هل المسار الذي نسلكه اليوم يهيّئ الظروف لأمن دائم، أم أنه يزرع بذور الصراع المقبل؟ هذا الأسبوع، أتوجه إلى واشنطن للحديث مع صانعي السياسات الأميركيين. من واشنطن، قد تبدو الحرب في لبنان في المقام الأول، مواجهة بين إسرائيل وحزب الله تتمحور حول الطائفة الشيعية في لبنان. لكن الصورة من جنوب لبنان مختلفة. فالجنوب هو موطن للشيعة والمسيحيين والدروز وغيرهم من اللبنانيين، الذين تداخلت قراهم ومصادر رزقهم ومستقبلهم طوال أجيال. ومنذ بداية هذه الحرب، تعرّض المسيحيون أيضاً للنزوح، فيما تتقلص مجتمعاتنا منذ عقود نتيجة الأزمات المتعاقبة التي تدفع الشباب اللبناني إلى الهجرة. قد يكون من الممكن إعادة بناء منزل في نهاية المطاف، لكن إعادة بناء مجتمع كامل أكثر صعوبة. عندما يخسر الناس مراراً منازلهم ومصادر رزقهم وأقاربهم وإحساسهم بالأمان، يبدأون بطرح سؤال بسيط جداً: من سيحمينا؟ لكن الحماية لا تقتصر على السلاح. فالشاب يحتاج أيضاً إلى أفق يمكّنه من بناء مستقبل. وحين تعجز الدولة عن توفير ذلك، يتقدم آخرون لملء الفراغ. وقد بنى حزب الله، في هذا السياق، جزءاً من نفوذه من خلال المدارس والرعاية الصحية والرواتب والمساعدات الاجتماعية، إلى جانب السلاح والأيديولوجيا. إذا كنا نريد من الشباب اللبناني أن يختار الدولة، فعلينا أن نعطيه شيئاً حقيقياً يستحق الاختيار. وهذا يعني الاستثمار في الأماكن التي تستمد منها النزاعات مجنّديها: المدارس، والجامعات، والمؤسسات المحلية، والبنى التحتية، وفرص العمل. يجب ألا يُضطر شاب إلى الاعتماد على تنظيم مسلح للحصول على الأمن الأساسي أو تأمين مقومات البقاء. إذا كان الناس يعتقدون أن الدولة اللبنانية عاجزة عن حمايتهم من الهجمات الخارجية أو عن توفير مستقبل قابل للحياة، يصبح من الأسهل إقناعهم بأنهم بحاجة إلى حامٍ آخر. أما إذا رأوا الجيش اللبناني يحمي قراهم، والدولة تمكّنهم من العودة إلى منازلهم، والمؤسسات تساعدهم على إعادة بناء حياتهم، والاقتصاد يوفر لأولادهم مستقبلاً، فإن حجة الحاجة إلى حامٍ آخر تبدأ بفقدان قوتها. ولهذا، لا يمكن فصل مستقبل سلاح حزب الله عن مستقبل صدقية الدولة اللبنانية. لا يمكن هزيمة أيديولوجيا بصاروخ، بل بفكرة أكثر قدرة على الإقناع. وبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون هذه الفكرة هي المواطنة: أي أن يكون المسيحي والشيعي والسني والدرزي منتمين أولاً إلى دولة مشتركة، وألا يتحدد مستقبل بلدنا بحروب وقضايا تقع خارج حدوده. ولهذا السبب، التعليم مهم. من خلال “أكاديمية القيادة من أجل السلام” التي نديرها، ندرّب شباباً لبنانيين، بمن فيهم مسيحيون، على فهم القيادة باعتبارها خدمة للبلد بكامله. فلبنان يحتاج إلى قادة سياسيين قادرين على مواجهة الفساد، وإعادة بناء المؤسسات، وإقناع الشباب اللبناني بأن بإمكانهم صنع مستقبلهم في بلدهم. وبصفتي أسقفاً، أرى أيضاً كيف بإمكان القوة العسكرية أن تقضي على تهديد فوري، لكنها في الوقت نفسه قد تولّد الخوف والإذلال والاستياء، بما يضع أسس دورة جديدة من الصراع. وللمسيحيين مصلحة خاصة في هذه المسألة، لأن مستقبلنا لا يمكن تأمينه عبر لبنان يعيش في حالة عسكرة دائمة، ولا من خلال استعداء طائفة أخرى. لقد بقي لبنان قائماً لأن مسيحييه وشيعته وسنته ودروزه اختاروا، مهما كان هذا الاختيار ناقصاً وغير مكتمل، أن يتشاركوا بلداً واحداً ويضعوا مستقبلهم فيه. وعندما تصل أي طائفة إلى قناعة بأن الدولة لا تمثلها ولا تحميها، يضعف العقد الوطني برمته. ليس على لبنان أن يقبل بسلاح حزب الله، كما أنه ليس مضطراً إلى العيش تحت ضغط عسكري مفتوح إلى أجل غير مسمى. هناك مسار آخر: دولة لبنانية ذات سيادة، قادرة على حماية أراضيها ومواطنيها، والسيطرة على السلاح وعلى قرارات الحرب والسلام، ومنح كل طائفة لبنانية سبباً يجعلها تضع ثقتها في المؤسسات الوطنية بدلاً من الحركات المسلحة أو الرعاة الخارجيين. لكن الوصول إلى ذلك يحتاج إلى أكثر من نزع السلاح. فالدولة يجب أن تكون قادرة على توفير الأمن والسلامة والتعافي الاقتصادي. ومن هذا الم