ثمة صور تعرض وجهًا ما، وأخرى تدفعنا إلى التساؤل عن سبب تأملنا لذاك الوجه... أعمال جوستين تشالينكس (Justine Tjallinks) تندرج ضمن الفئة الأخيرة. تتميز صورها الشخصية بجاذبية فورية، غير أن هذا السحر ليس الغاية النهائية، فخلف الإضاءة الناعمة، والأزياء المختارة بعناية، والإشارات الفنية المستوحاة من لوحات كبار الرسامين القدامى، تستكشف المصورة الهولندية مفهومنا للجمال. وُلدت جوستين تشالينكس عام 1984 في مدينة وارنسفيلد بهولندا، وسلكت في البداية مسارًا مهنيًا بعيدًا عن مجال التصوير الفني، إذ حصلت عام 2008 على درجة البكالوريوس في تخصّص "المفاهيم والعلامات التجارية" من "معهد أمستردام للأزياء". وفي العام التالي، عملت مديرةً فنيةً ومصممة غرافيك لمجلات أزياء مرموقة. تركت هذه التجربة بصمة دائمة على أعمالها، فقد تعلمت كيفية بلورة فكرة الصورة والجمع بين الملابس والألوان والسمات الشخصية والإضاءة والمكان لسرد قصة ما، وذلك حتى قبل أن يتمكن المشاهد من صياغة ما يراه بالكلمات. في عام 2014، قررت التفرغ تمامًا لممارستها الفنية، وفي العام نفسه، نالت لقب "موهبة التصوير الفوتوغرافي الهولندية الجديدة" في أمستردام. أتاح لها هذا التحوّل نحو التصوير الشخصي تطوير عالم بصري لا يكتفي بمجرد الإبهار، بل يسعى إلى تغيير منظور المشاهد. تُعدّ علاقتها بفن الرسم علاقة جوهرية. ففي طفولتها، كانت تتردّد بانتظام على "متحف ريكس" (Rijksmuseum) لتتأمّل أعمال كبار الأساتذة الهولنديين القدامى، وتلك الذاكرة البصرية تتغلغل في ثنايا صورها. إذ تستحضر بعض تكويناتها رامبرانت وفيرمير، لا بمحاكاتهما، بل في اهتمامها بالوجه والضوء وما يمكن أن يكشفه حضور ساكن وهادئ. غير أن تشالينكس تعمل مع أشخاص من عصرنا، وتبني صورها كما لو كانت مخرجة مسرحية، فتحدّد مسبقًا الوضعيات والألوان والإضاءة والملابس والإكسسوارات. وقد تختار أشخاصها من الشارع أو محطات القطار، قبل أن تعيد تقديمهم في عالم بصري جديد، كأنهم شخصيات من فيلم لم يُنتج بعد. وتشالينكس لا توثق الواقع كما هو، بل تعيد إخراجه، بحيث لا تخفي السمات الفريدة لأشخاصها، بل تمنحها دلالة بصرية جديدة. يتجلى هذا بوضوح خاص في سلسلتها التي تركز على أفراد يبتعد مظهرهم عن معايير الجمال التقليدية، إذ قامت بتصوير أشخاص يعانون من الثعلبة (تساقط الشعر)، والبهاق، ومتلازمة داون، والمهق. ومع ذلك، سيكون من التبسيط السطحي وصف أعمالها بأنها مجرد تصوير لـ "الاختلاف"، فاهتمامها ينصبّ على ما هو أعمق وأكثر دقة. إنها لا تطلب من المشاهد صرف نظره عما يبدو غير مألوف، بل تدعوه إلى التأمل في الصورة وإمعان النظر فيها. وتُعدّ سلسلة "Jewelled" (المُرصّعة بالجواهر)، التي أُنجزت عام 2016 وخُصّصت لتسليط الضوء على حالة المهق، نموذجًا كاشفًا في هذا الصدد. هنا، تتحول البشرة والشعر والملامح والتباينات اللونية إلى عناصر في تكوين فني راقٍ، وتصبح السمة التي ربما كانت تُعتبر يومًا ما "شذوذًا" أو خروجًا عن المألوف، في قلب صورة تعكس الجمال. يبدو النهج بسيطًا، لكنه يلامس تساؤلا عميقًا، قوامه: من يحدد ما هو جميل؟ ومن يرسم الخط الفاصل بين وجه نعجب به وآخر نفضل ألا ننظر إليه؟ وفوق كل ذلك، كم من معاييرنا الجمالية ينبع حقًا من الطبيعة، وكم منها هو نتاج للتاريخ والثقافة والتكرار المستمر للصور ذاتها؟ في عالم مشبع بـ "الفلاتر" وتقنيات التنقيح الرقمي والوجوه المُعدّلة حتى باتت متشابهة لدرجة التماثل، تكتسب أعمال تشالينكس صدى خاصًا ومميزًا. فقد رسّخت وسائل التواصل الاجتماعي جمالية قائمة على الكمال وإنتاج وجوه متشابهة ونمطية، وفي المقابل، تبدو المصورة وكأنها تسير في اتجاه معاكس، باحثة عما يميز كل فرد عن الآخر. كما تسلّط سلسلة "Nude" (العاري)، الحائزة على الجائزة الكبرى في مسابقة "Life Framer" بلندن عام 2015، الضوء على هذا النهج. فالجسد العاري جزء من تقليد فني وتاريخي عريق، لطالما حددت فيه معايير التناسب والانسجام مفهوم "المثالي". ومن خلال العمل على تصوير الجسد العاري، تدخل تشالينكس حتمًا في حوار مع هذا التقليد، مؤكدةً أن الجسد المُصوَّر لا يحتاج إلى الخضوع لمعيار واحد ليجذب الانتباه. وهذا الانتباه لا يتسم بالقسوة أبدًا، فصورها تتمتع بمسحة من الرقة تمنع النظرة من الانزلاق نحو الفضول الاستغلالي (التلصص). فالأشخاص الذين تصوّرهم لا يُعرضون كمجرد حالات غريبة أو مثيرة للفضول، بل يتحوّلون إلى حضور إنساني لافت. وتُعدّ هذه الدقة في التناول أمرًا جوهريًا، فهي تفسّر كيف يمكن لصورها أن تكون بالغة الرقي والفنية من دون أن تفقد بُعدها الإنساني. ولعل هذا ما يجعل أعمالها قريبة جدًا من عالم السينما، فكل صورة شخصية تبدو وكأنها جزء من حكاية صامتة، تدفع المشاهد إلى تخيّل ما حدث قبل لحظة التقاط الصورة وما سيليها. فقد يوح