لا تزال فرص التسوية السياسية والميدانية في لبنان معلّقة، ويحيط بها عدم اليقين، في ظل مواصلة إسرائيل اعتداءاتها وعملياتها في الجنوب اللبناني، وعدم وضوح ما تخطط له في المرحلة المقبلة، رغم إعلانها خلال الأيام الأخيرة تدمير ما وصفته بالبنية التحتية الاستراتيجية لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر. وتُبقي إسرائيل الواقع مفتوحاً على مختلف السيناريوهات، عبر ما تقدمه من ذرائع لتبرير احتلالها وعملياتها العسكرية، إذ نقل تقرير للمراسل العسكري في التلفزيون الاسرائيلي الرسمي عن قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي قولها إن حزب الله يراقب تحركات القوات الإسرائيلية ويدرس أساليب عملها ويستخلص العبر منها؛ لمحاولة تفعيل "خلايا صغيرة بأسلوب حرب العصابات". ووفق ما تدّعيه الدوائر العسكرية على الجبهة الشمالية، حدّد الجيش الإسرائيلي في هذه المرحلة "منطقة عازلة" تفصل بين مناطق انتشار قواته ومواقع نشاط حزب الله. ونسب تقرير لتلفزيون "مكان" الاسرائيلي إلى قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي قوله إن كل من يدخل هذه المنطقة سيكون عرضة للاستهداف، مضيفاً أن التنسيق بين القوات البرية وسلاح الجو وشعبة الاستخبارات يتعزّز لتسريع رصد الأهداف وإغلاق دوائر النار! والحالُ أن ترويج تل أبيب مزاعمها في هذا الوقت بشأن فرص محتملة للتصعيد رغم التقارير الأخيرة عن "تسوية" مرتفعات علي الطاهر، يرتبط بثلاثة دوافع رئيسية: الأول، يتصل بمساعيها الدائمة لإيهام العالم بأن الحكاية لم تنتهِ بـِ "حسم أمر" أنفاق حزب الله في مرتفعات علي الطاهر، وأن "المخاطر" ما زالت قائمة. ثانياً، لمحاولة خفض أي سقف وثمن سياسي وميداني يُمكن أن تدفعه إسرائيل في سياق أي تطور مستقبلي في المفاوضات مع لبنان. وثالثاً، اعتقاد تل أبيب أن هجماتها المتواصلة هي "الوصفة الوحيدة" لتكريس تغيرات "دائمة" تسعى إلى تحقيقها في عموم المنطقة في نهاية المطاف، بدعوى أن الجنوب اللبناني "ساحة مهمة" لصياغة الواقع الذي تنشده إسرائيل على مقاسها. مع ذلكَ، روّجت الدوائر العسكرية والأمنية في إسرائيل عبر تسريبات إعلامية، أن "التحدي" الميداني هو فصل الشتاء؛ بدعوى أنَّ الأمطار والضباب والوحول (الطين) التي تميز جنوب لبنان، قد تؤثر مباشرة في حركة القوات البرية وقدرات المراقبة والنشاط الجوي، فيما نوهت تقارير عبرية إلى أنه مع اقتراب الشتاء، يتمحور السؤال المركزي لدى قيادة المنطقة الشمالية للجيش الإسرائيلي، حول المدة الزمنية التي يمكن خلالها الحفاظ على الواقع الحالي في الجنوب اللبناني، ومدى قدرة قواته على منع حزب الله من "التأقلم معه" وإعادة بناء قدراته. وهنا، زعمت تقديرات أمنية إسرائيلية أن حزب الله لن يبقَ في حالة ضبط للنفس لأجل غير مسمَّىً، وأن قيادة الحزب تراقب التطورات في إيران، وسط "تقييم" تل أبيب بأن خطوات الحزب المقبلة ستتأثر كثيرا بما يحدث في طهران. لكن مراسلين عسكريين إسرائيليين عادوا ونقلوا عن قيادات بالجبهة الشمالية، أن حزب الله اليوم ليس نفسه الذي كان قبل اندلاع المواجهة في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ بدعوى أنه خسر عدداً كبيراً من قادته الميدانيين وتضررت "مواقعه المحصنة تحت الأرض" وكذلك مخزون سلاحه، بموازاة مواجهته أزمة مالية تؤثر على قدرته على دفع رواتب لعناصره ودعم مناصريه. وفي مؤشر آخر إلى مساعي إسرائيل تسويغ مواصلة عملياتها في لبنان، خرج رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير بتصريح خلال زيارته للفرقة العسكرية 91 على حدود لبنان مؤخراً، ليقول إن "المعركة في الشمال لم تنتهِ بعد"، وأفادت وسائل إعلام اسرائيلية أن زامير أجرى خلال اجتماعه مع الفرقة، تقييما لوسائل قتالية جديدة يُعتزم إدخالها في العمليات، من بينها الروبوتات. وبينما يستعد الجيش الإسرائيلي لإنشاء ذراع متخصصة بالروبوتات، تبرز تساؤلات بشأن مدى توجه إسرائيل إلى الاعتماد أكثر على هذه الوسائل في تنفيذ مهام برية بعمق الأراضي اللبنانية خلال الفترة المقبلة، ضمن استعداداتها لسيناريوهات متعددة، منها إعادة انتشار قواتها في مناطق محددة، وربما أنماط جديدة جديدة من العمليات هناك.. وهي سيناريوهات تؤشر كلها إلى استمرار الغموض بشأن مستقبل الوجود والعمليات الإسرائيلية في لبنان، مع غياب بوادر على انسحابات جوهرية وشاملة أو وقف قريب للاعتداءات. لعلّ جانباً من الرؤية الإسرائيلية لمساري الميدان والمفاوضات، يتجلى أكثر في حديث الناشط اليميني والمعلق السياسي يوتام زمري، خلال برنامج على قناة "14" اليمينية، إذ اعتبر أن ما تفعله إسرائيل في لبنان يرتبط أيضاً بحقيقة أن "الجبهة لا تزال مفتوحة"، منوها "أننا لم ننتهِ هناك، ولم نوقّع اتفاقاً متهوراً، نحن ننتصر". فهذا الناشط اليميني يشدد على "ضرورة" مواصلة العدوان على لبنان وعدم منح أي فرصة للمسار السياسي، بقوله "لا ينبغي توقيع اتفاقات ع