لم يتوقف أثر ارتفاع أسعار المحروقات في سوريا عند محطات الوقود، بل بدأ يظهر سريعاً في تفاصيل الحياة اليومية، من أجور النقل والمواصلات إلى أسعار الطعام والوجبات الجاهزة، وصولاً إلى كلفة التوصيل وكهرباء المولّدات الخاصة (مولدات الأمبير) في المناطق التي لا تصلها الكهرباء النظامية (الدولة) بشكل منتظم. وفي دمشق، تبدو انعكاسات الزيادة في الأسواق ووسائل النقل معاً. وتقول رولا ونّوس، وهي معلّمة مدرسة في العاصمة، إن دخل الأسرة لم يعد يتناسب مع الارتفاع المتواصل في النفقات، مشيرة إلى أن الزيادة لا تأتي في بند واحد، بل تتراكم من أجرة الطريق إلى شراء الحاجات اليومية. وتضيف ونّوس في حديث لـ"المدن"، أن الوجبات الشعبية التي كانت ملاذاً للأسر محدودة الدخل لم تعد بمنأى عن الارتفاع، إذ انعكست كلفة المحروقات والنقل على أسعار الفلافل والشاورما والسندويشات والمعجنات، فيما ارتفعت كلفة التوصيل أيضاً، مع اضطرار العاملين في خدمات التوصيل إلى احتساب كلفة الوقود ضمن أجورهم. أما تاجر المواد الغذائية، بسام التلاوي، فيوضح لـ"المدن" أن ارتفاع كلفة النقل لا يقتصر على نقل الأشخاص، وإنما يدخل في تكلفة نقل البضائع من المورّدين إلى الأسواق، ثم من الأسواق إلى المحال. ويضيف، أنّ التاجر يجد نفسه أمام خيارين: تحمل جزء من الزيادة على حساب هامش الربح، أو رفع سعر السلعة بما يتناسب مع الكلفة الجديدة. وفي الأسواق، تظهر الزيادة على سلة واسعة من المواد الأساسية. ووفق رصد "المدن" للأسواق خلال اليومين الماضيين، بلغ سعر كيلو الأرز نحو 22 ألف ليرة، ما يعادل نحو 1.64 دولار، والعدس 17 ألف ليرة، نحو 1.27 دولار، والمعكرونة 10 آلاف ليرة، نحو 0.75 دولار، فيما وصل سعر كيلو السكر إلى 11 ألف ليرة، أي نحو 0.82 دولار، والطحين إلى 9 آلاف ليرة، نحو 0.67 دولار. كما بلغ سعر ليتر الزيت النباتي نحو 28 ألف ليرة، أي قرابة 2.09 دولار، واللبنة 35 ألف ليرة، نحو 2.61 دولار، والجبنة المحلية نحو 60 ألف ليرة، أي قرابة 4.48 دولارات. وتراوحت أسعار الدجاج، بحسب القطعة والمنطقة، بين عشرات آلاف الليرات للكيلوغرام، في حين شهدت أسعار الخضار تفاوتاً واضحاً بين سوق وآخر. وفي حمص، التي يصفها أبناؤها منذ سنوات بأنها "أم الفقراء"، تبدو المسألة أكثر ارتباطاً بالقدرة على الاستمرار في شراء الأساسيات. ويقول المواطن محمود خانكان، وهو في الستين من عمره، وهو يستعيد سنوات عمله: "كنا نعمل ونتعب ونحن ننتظر أياماً أفضل عندما نكبر، لكننا اليوم أصبحنا نحتار بين شراء الطعام أو الدواء. الراتب لم يعد يكفي، والأسعار ترتفع باستمرار". ويشير خانكان لـ"المدن" إلى أن المشكلة لا تكمن في ارتفاع سلعة واحدة، بل في تراكم المصاريف، وخصوصاً لدى كبار السن والأسر ذات الدخل المحدود، حيث يصبح تأمين الدواء إلى جانب الطعام والنقل عبئاً شهرياً متزايداً. وفي سوق حمص القديمة، يلاحظ خالد عيون السود، وهو صاحب محل تجاري، تغيّر سلوك المتسوقين. فالمواطن، بحسب وصفه، لم يعد يدخل إلى المحل بحثاً عن حاجته كاملة، وإنما يسأل أولاً عن السعر، ثم يقرر الكمية التي يستطيع دفع ثمنها. ويقول إنّ "المواطن لم يعد يشتري حاجته، بل يشتري ما يستطيع دفع ثمنه". وينعكس ارتفاع كلفة النقل كذلك على المحال الصغيرة التي تعتمد على شراء المواد ونقلها يومياً، فيما يضطر أصحابها إلى تعديل الأسعار تدريجياً مع ارتفاع كلفة التشغيل والنقل والتوصيل. وفي حماة، ينسحب الأثر على حركة الأسواق والمواصلات، إذ لا يبقى ارتفاع الوقود محصوراً في أجرة المركبة. فالمواد الغذائية والخضار والسلع التي تصل إلى الأسواق عبر الشاحنات تتحمل كلفة نقل أعلى، وهو ما يدفع أصحاب المحال إلى إعادة تسعير بضائعهم، بينما يضطر المواطن إلى تقليص مشترياته أو الاستغناء عن بعض المواد. ويظهر الأثر بصورة أوضح في الحسكة، حيث ترتبط كلفة الكهرباء المنزلية والنقل بشكل مباشر بالوقود. ففي مناطق واسعة تعتمد الأسر على مولدات خاصة لتأمين الكهرباء، ومع تراجع كميات المازوت المخصص للخدمة واللجوء إلى شراء جزء أكبر من احتياجات التشغيل من السوق، ارتفعت كلفة الأمبيرات. وفي بعض أحياء القامشلي، ارتفعت كلفة الأمبير لنظام تشغيل على مدار 24 ساعة من نحو 14 دولاراً إلى قرابة 29 دولاراً شهرياً، أي من نحو 187600 ليرة إلى 388600 ليرة سورية وفق سعر صرف 13400 ليرة للدولار، بزيادة تقارب 107 بالمئة. وفي مناطق أخرى تجاوز سعر الأمبير 45 ألف ليرة، أي نحو 3.36 دولارات، فيما تراوحت أنظمة التشغيل لمدة 16 ساعة بين 15 و16 دولاراً، أي نحو 201 ألف إلى 214400 ليرة، بينما بلغ سعر بعض أنظمة الثماني ساعات نحو 20 ألف ليرة، أي قرابة 1.49 دولار. وكانت الإدارة المحلية في القامشلي قد حددت سعر الأمبير عند 1.25 دولار لساعة التشغيل شهرياً، ما يعني أن نظام أربع ساعات يومي