على المسرح الأوروبي، يرتفع صوت الإدانة ضد إسرائيل، وتُقرع طبول المقاطعة، أمّا خلف الستار، فيوقع قادتها العقود مع تل ابيب، وتتحرك اليوروهات نحو مصانع سلاحها. والنتيجة مفارقة صادمة؛ إذ كشفت وزارة الدفاع الإسرائيلية، أنه وسط الغضب من حرب غزة، قفزت صادرات تل أبيب العسكرية بنحو 30%، لتصل إلى 19.2 مليار دولار عام 2025. وعلى الرغم من تراجع حصة أوروبا من 54% عام 2024، إلى 36% عام 2025، بقيت القارة أكبر سوق للسلاح الإسرائيلي. ضع في اعتبارك أن دولة أوروبية ما قد تحظر قذيفة متجهة إلى تل أبيب، لكنها، في المقابل، تشتري منها صاروخاً بمليارات الدولارات. وهكذا، لا يُغلق مصنع إسرائيلي، بل تُموَّل خطوط الإنتاج والخبرات التي يحتاج إليها الجيش للحرب الحالية والمقبلة. العقاب يصل إلى المستوطن... ويتوقف عند المصنع في الواقع، أعلنت 11 دولة أوروبية، إلى جانب كندا، في 8 أيلول/ سبتمبر الجاري، نيّتها فرض قيود على تجارة بضائع المستوطنات غير القانونية، في خطوة سياسية لافتة، مصممة بعناية كي لا تطال الدولة الإسرائيلية أو صناعتها العسكرية. وبموازاة ذلك، وثّقت منظمة العفو الدولية، في أيار/ مايو الماضي، أن فرنسا وألمانيا كانتا أكبر مُصدِّرَي السلاح الأوروبيَّين إلى إسرائيل عام 2024، محذّرة من أن استمرار التدفق يعرّض أوروبا لخطر "التواطؤ" في الانتهاكات. كما واصلت إيطاليا نقل أسلحة بموجب تراخيص سابقة، ثم رفضت، مع ألمانيا، تعليق اتفاقية الشراكة. برلين: الحظر ظاهرياً... و"آرو" في الخزينة تبدأ المفارقة من ألمانيا. فبينما علّقت برلين بعض صادرات السلاح إلى إسرائيل في آب/ أغسطس 2025، قبل رفع القيود في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بعد هدنة غزة، اشترت بالمقابل، منظومة صواريخ "آرو 3" بنحو 4.5 مليار دولار، في أكبر صفقة تصدير عسكري في تاريخ إسرائيل. أكثر من ذلك، كشف تحقيق لمجلة "972 +"، أن خط إنتاج صواريخ "آرو"، الذي افتُتح عام 2024 لتلبية الطلب الألماني، منح إسرائيل قدرة إضافية ساعدتها على تجديد مخزونها خلال القتال. أي أن المال الأوروبي لم يشترِ دفاعاً لأوروبا فقط، بل وسّع المصنع الذي يرفد آلة الحرب الإسرائيلية. وهذه ليست مصادفة، فمراقب الدولة الإسرائيلية أوضح، منذ 2012، أن التصدير يحفظ البنية التحتية والخبرة ورأس المال البشري اللازمة لتفوّق الجيش. بالمثل فرضت إسبانيا ــــ النموذج الأوروبي الأكثر صرامة تجاه جرائم إسرائيل ــــ في العلن، حظراً للصادرات والواردات وعبور الوقود والمواد العسكرية، وألغت عقوداً كبرى، بينها صفقة بقيمة 285 مليون يورو، لشراء 168 صاروخاً من طراز "سبايك" مضاداً للدروع، بحسب وكالة (AP). لكن القانون نفسه يحتوي باباً خلفيّاً يتيح للحكومة استثناءات عندما تقتضي "المصلحة الوطنية العامة". بمعنىً آخر، وضعت مدريد القفل والمفتاح في النص ذاته. ومع ذلك، يبقى موقفها أبعد من الخطوات الرمزية، لأنها ألغت عقوداً فعلية، لا بيانات فقط. روما: الإدانة لا تمرّ على الجمارك على المنوال ذاته، قالت إيطاليا إنها أوقفت التراخيص الجديدة، لكنها واصلت تنفيذ العقود السابقة. ولهذه الغاية، كشفت بيانات نشرتها صحيفة "إيل فاتو كوتيديانو" أنها استوردت من إسرائيل "أسلحة وذخائر بنحو 16 مليون يورو، خلال النصف الأول من 2024، فيما صادق برلمانها على استكمال شراء مئات صواريخ (سبايك)". وهكذا، تحوّلت قاعدة "العقد وُقّع قبل الحرب" إلى جواز عبور سياسي: الحكومة تدين النتائج، لكنها تحمي الالتزامات التي تُبقي المال متدفقاً إلى المنتج الإسرائيلي، رغم كل الضجيج الأخلاقي المعلن، وتمنح الصناعة يقيناً بأن الغضب لن يمزّق كل العقود. صاروخ ألماني... بأرباح إسرائيلية عمليّاً، تمنح الشركات المشتركة (الأوروبية ــ الإسرائيلية) التناقض غطاءً أوروبياً أنيقاً. فشركة "يورو سبايك" الألمانية مثلاً، تسوّق صواريخ "سبايك" التي طوّرتها شركة "رافائيل" الإسرائيلية. والأخيرة تملك 20 % من أسهم "سبايك"، مقابل 40% لكل من شركتَي "راينميتال" و"ديل ديفنس" الألمانيتين. لذلك، تستطيع دولة أن توقف الشراء المباشر من إسرائيل، ثم تحصل على التكنولوجيا نفسها عبر مقاول أوروبي. وهذا ما يفسر انتشار المنظومة في جيوش القارة، من إسبانيا إلى لاتفيا، التي وقّعت عقداً بـِ 81 مليون يورو، وهولندا التي تعاقدت على 297 منصة إطلاق، وأكثر من ألفين و400 صاروخ "سبايك" على ذمة موقع "إسرائيل ديفنس". وحتى النرويج، التي تؤكد أنها لا تشتري أنظمة إسرائيلية مستقلة، أقرّت بأن استبعاد المكونات الإسرائيلية المدمجة في المنظومات الغربية سيعقّد بناء جيشها واندماجه في "الناتو". أما المشهد الأكثر فجاجةً، فجاء في 21 نيسان/ أبريل الماضي. يومها طلبت كل من: إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، كلياً أو جزئياً، لكن وزراء ا