إذا كنت من زوار العاصمة دلهي في الأيام القليلة الماضية، فإن ما يلفت نظرك اليوم هو أعلام مجموعة "بريكس" المرفوعة في شوارع نيودلهي بمناسبة القمة الثامنة عشرة. وهي أعلام تعكس مشهداً لا تحاول أي مجموعة اقتصادية كبرى أخرى تقديمه: طاولة يجلس حولها كل من إيران والسعودية والإمارات ومصر كأعضاء متساوين، على الرغم من اختلاف تحالفاتهم ومصالحهم الأمنية، وعلى الرغم من أن المنطقة شهدت خلال الأشهر الماضية مواجهة عسكرية مباشرة مرتبطة بالحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران. وهذه المسألة ليست تفصيلاً هامشياً في القمة، بل قد تكون الحقيقة الأبرز التي تكشف طبيعة ما آلت إليه مجموعة "بريكس". تكتل يستطيع أن يجمع الخصوم تحت سقف واحد، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يجعلهم يتفقون على كل شيء. هذا التكتل قائم على التوسع لا على التحالف. فلم تكن "بريكس" يوماً تحالفاً تعاقدياً على غرار حلف الناتو، ولا اتحاداً جمركياً مثل الاتحاد الأوروبي؛ بل كانت أقرب إلى ائتلاف تمليه المصالح، حيث توحدت الدول الأعضاء ليس بدافع القيم المشتركة، بل سعياً وراء مصالح اقتصادية واستراتيجية مشتركة، وفي مقدمتها إصلاح نظام الحوكمة الاقتصادية العالمية وتوسيع خيارات دول الجنوب العالمي بعيداً عن المؤسسات التي يهيمن عليها الغرب. وهذا الطابع المرن هو بالتحديد ما أتاح للمجموعة التوسع سريعاً. غير أن المرونة نفسها تحمل ثمناً؛ فكلما اتسعت العضوية، أصبحت المصالح المتعارضة أكثر حضوراً داخل التكتل، وأصبح التوصل إلى مواقف سياسية مشتركة أكثر صعوبة. وفي الواقع، إذا نظرنا إلى العمر القصير لهذه المجموعة، نجد أنها تتوسع باستمرار، وهناك أكثر من 30 دولة على قائمة الانتظار للانضمام. وهذا يعني أنها لم تعد مجرد تجمع اقتصادي عابر، بل أصبحت إطاراً دولياً مرشحاً للاستمرار والتوسع. عندما انضمت إيران إلى جانب السعودية ومصر والإمارات، لم تكن مجموعة "بريكس" تضيف اقتصادات جديدة فحسب، بل كانت تستوعب داخل المؤسسة نفسها واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية تعقيداً في العالم: إيران ودول الخليج، لكل منها علاقاتها وتحالفاتها وحساباتها الأمنية المختلفة. والأهم أن هذه الدول لا تأتي إلى "بريكس" من الخلفية الجيوسياسية نفسها. إيران تنظر إلى المجموعة باعتبارها فرصة لكسر العزلة الاقتصادية وتوسيع علاقاتها مع القوى غير الغربية، بينما تحتفظ السعودية والإمارات بعلاقات أمنية واقتصادية وثيقة مع الولايات المتحدة والغرب. أما مصر، فتتحرك هي الأخرى بين دوائر استراتيجية واقتصادية متعددة. وهنا تظهر طبيعة "بريكس" الحقيقية: هي ليست نادياً للدول المتحالفة، بل منصة للدول التي تتقاطع مصالحها، حتى عندما تختلف رؤاها السياسية. لسنوات، كان التوتر بين إيران ودول الخليج العربية داخل "بريكس" ظاهرة دبلوماسية مثيرة للاهتمام أكثر منه أزمة داخلية حقيقية. لكن التطورات العسكرية الأخيرة جعلت هذا التناقض أكثر وضوحاً. لقد أصبح السؤال المطروح على المجموعة أكثر صعوبة: ماذا تفعل منظمة اقتصادية عندما يجد أعضاؤها أنفسهم أمام أزمة أمنية تمس مصالحهم بشكل مباشر؟ وهذا يكشف مشكلة أساسية: كلما زادت القضايا الأمنية والسياسية التي تدخل إلى جدول أعمال "بريكس"، أصبح الحفاظ على التوافق أصعب. لكن ربما يكون من الخطأ قياس نجاح "بريكس" فقط بقدرتها على إصدار بيانات سياسية موحدة.وجود السعودية والإمارات ومصر إلى جانب إيران يكشف طبقة أخرى من هذا التناقض الهادئ. الرياض وأبوظبي ترتبطان بعلاقات أمنية واقتصادية وثيقة مع واشنطن، بينما إيران في موقع مختلف تماماً، وقد بنت جزءاً كبيراً من استراتيجيتها الإقليمية على مقاومة النفوذ الأميركي. بالنسبة إلى نيودلهي، "بريكس" ليست مشروعاً لبناء معسكر ضد الغرب؛ بل أداة لتوسيع هامش استقلالها الاستراتيجي والاقتصادي. الهند تريد أن تتعامل مع الولايات المتحدة، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع روسيا وإيران ودول الخليج والصين، من دون أن تضطر إلى اختيار معسكر واحد. لكن وراء هذا الحساب الجيوسياسي توجد مصلحة اقتصادية مباشرة وواضحة. الهند تحتاج إلى الطاقة الخليجية، والأسواق العربية، والاستثمارات الخليجية، وإلى إيران كبوابة تجارية نحو آسيا الوسطى وأفغانستان، وإلى ممرات نقل بديلة وأكثر كفاءة. وهنا يبرز ميناء تشابهار، الذي يمثل بالنسبة للهند أكثر من مجرد مشروع بنية تحتية. فهو جزء من رؤية أوسع لربط الهند بآسيا الوسطى عبر إيران، وتنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على مسارات تمر عبر دول قد تكون علاقاتها مع نيودلهي معقدة. وبالتالي، فإن الحفاظ على مساحة للتعاون مع إيران، وفي الوقت نفسه تعميق العلاقات الاقتصادية مع السعودية والإمارات ومصر، يخدم مصلحة هندية مباشرة. الهند لا تريد أن تتحول الخلافات الجيوسياسية داخل "بريكس" إلى حواجز أمام التجارة والطاقة والاستثمار و