في وقت يواجه فيه الاقتصاد اللبناني تحديات متراكمة، تكشف أرقام مصلحة الملكية الفكرية في وزارة الاقتصاد والتجارة عن استمرار حركة لافتة على مستوى تسجيل العلامات التجارية وبراءات الاختراع، مع تسجيل 7084 علامة تجارية جديدة و144 براءة اختراع خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026. وتكتسب هذه الأرقام أهمية من حيث حجم المعاملات المسجلة وتنوع القطاعات التي تنشط فيها، إلا أن قراءة هذه المؤشرات لا تبدو كافية وحدها للحكم على واقع الاقتصاد اللبناني، إذ إن تسجيل علامة تجارية أو براءة اختراع لا يعني بالضرورة أن هذه النشاطات تحولت إلى إنتاج فعلي أو استثمارات جديدة أو فرص عمل. وفي هذا السياق، يضع مدير المركز الاقتصادي والاجتماعي للدراسات الاستراتيجية الدكتور أحمد جابر هذه الأرقام في إطار أوسع، معتبراً أن العبرة ليست في ارتفاع عدد التسجيلات بحد ذاته، بل في مدى انعكاسها على الاقتصاد الحقيقي. ويقول جابر، في حديث إلى "ليبانون ديبايت": "مش مهم تسجيل علامات تجارية، مش مهم يكون فيه حبر على ورق، المهم أن يكون فعلاً في حركة تجارية فرضت وجود علامات تجارية. هذا المطلوب اليوم". ويشدد على أنه لا يمكن الحديث عن تسجيلات العلامات التجارية وبراءات الاختراع بمعزل عن وجود خطة واضحة لتكبير الاقتصاد، موضحاً أن "تكبير حجم الاقتصاد يفرض بناء رؤى اقتصادية وبناء منظومة اقتصادية تساعد على تطوير حجم الاقتصاد وزيادة نموه وخلق فرص عمل". وبحسب جابر، فإن السؤال الأساسي الذي يجب طرحه هو: إلى أي مدى تنعكس هذه التسجيلات على أرض الواقع؟ وهل تتحول إلى زيادة في فرص العمل والمدخول، وارتفاع في معدلات النمو الاقتصادي، وزيادة حقيقية في الاستثمارات، وتفعيل للاقتصاد الإنتاجي؟ ويضيف: "إذا كنا نرى بشكل واضح، كنا رأينا المؤشرات الاقتصادية التي هي مؤشرات الصحة الاقتصادية، إذا قرأنا كل مؤشر من مؤشرات الصحة الاقتصادية، نرى أنه لا، هذا الكلام المطروح يحتاج الى إعادة نظر". جابر: يكفي حبر على ورق وأرقام وهمية ويحذر جابر من الاكتفاء بالأرقام والتسجيلات الرسمية من دون قياس أثرها الفعلي، قائلاً: "يكفي حبر على ورق وأرقام وهمية وصلتنا إلى نتائج مخيفة على المستوى الاقتصادي". ويؤكد أن المطلوب لا يقتصر على تسجيل علامات تجارية أو براءات اختراع، بل أن تكون هناك بيئة اقتصادية قادرة على تحويل هذه المبادرات إلى نشاط إنتاجي واستثماري حقيقي، بما ينعكس على النمو وفرص العمل والدخل. وفي سياق حديثه عن سبل معالجة الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني، يشدد جابر على ضرورة تفعيل قانون المنافسة، معتبراً أن الاحتكار لا يزال قائماً وموجوداً في السوق. ويقول إن «المنافسة أداة حمائية للاقتصاد الوطني»، لافتاً إلى أن المنافسة تشكل أساساً للإبداع والتقدم الاقتصادي والتكنولوجي والاجتماعي. ويرى أن من المهم أن تولي وزارة الاقتصاد اهتماماً أكبر بهذا الجانب، وأن تعمل على الحد من السوق الاحتكارية، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على المواطنين. ويشرح أن استمرار الاحتكار يدفع المواطن ثمنه من خلال ارتفاع الأسعار وتآكل قدرته الشرائية، وهي قدرة يقول إنها "تتآكل يوماً بعد يوم نتيجة غياب السياسات الاقتصادية والإجراءات الرقابية التي يجب أن تُتخذ في هذا الإطار". وبين أرقام التسجيلات من جهة، ومؤشرات الاقتصاد الحقيقي من جهة أخرى، يضع جابر النقاش في خانة أوسع: المطلوب ليس فقط تسجيل علامات تجارية وبراءات اختراع، بل بناء اقتصاد قادر على تحويل هذه التسجيلات إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل ونمو فعلي، بالتوازي مع سوق تنافسية تحدّ من الاحتكار وتحمي المستهلك والاقتصاد الوطني.