تتناول الدراسة، أدناه الصادرة عن المعهد الهولندي للعلاقات الدولية (Clingendael) بعنوان "من الصدمة إلى التكيّف: حزب الله في لبنان، 2026" للباحثَين نانسي عز الدين وإروين فان فين، مسار إعادة تشكّل حزب الله منذ الصدمة العسكرية التي تعرض لها في خريف 2024 وحتى الجولة الجديدة من المواجهة التي اندلعت مطلع مارس 2026، وذلك في ضوء ما تصفه بأنه تحوّل الحزب من "منظمة منهكة وخارج المعادلة" إلى قوة أكثر قدرة على الصمود وإن ظلت أضعف من السابق. تنطلق الدراسة من رصد جولة القتال الجديدة، حيث تشير إلى أن إطلاق حزب الله ستة صواريخ باتجاه شمال فلسطين المحتلة في 2 مارس 2026 - عقب اغتيال قائد الثورة السيد علي خامنئي - جاء بعد خمسة عشر شهرًا من إعادة التنظيم، وأن دلالته لا تكمن في أثره الميداني المحدود بل في إعلانه عن عودة الحزب بصيغة معاد تشكيلها. وتناقش الدراسة طبيعة الهجوم الإسرائيلي الجديد بوصفه استهدافًا ممنهجًا لشيعة لبنان، إذ توثق إقامة الاحتلال عشرين موقعًا عسكريًا تمهيدًا لمنطقة عازلة، وإصدار أوامر إخلاء غير محددة المدة لكامل جنوب الليطاني أدت إلى نزوح أكثر من مليون لبناني (نحو 20% من السكان)، إلى جانب استهداف البنية التحتية المدنية والجسور، وسقوط أكثر من ألف قتيل مدني بينهم 118 طفلًا. كما ترصد الدراسة توسّع الاستهداف الإسرائيلي ليطال مناطق مختلطة وغير شيعية، بما يخدم هدفَين: الضغط على الحاضنة الشعبية لحزب الله، ورفع كلفة استضافة النازحين الشيعة - وهو ما بدأ يغذّي نزعات طائفية وأعمال عنف محلية ضد النازحين. وبالمقارنة مع صدمة 2024، تُبرز الدراسة كيف تمكنت "إسرائيل" حينها من تصفية نحو خمس طبقات من الهيكل القيادي لحزب الله عبر عملية استخباراتية شملت تفجير أجهزة النداء، وكيف واصلت خروقاتها لوقف إطلاق النار (نحو 10,000 خرق) من دون رد يُذكر من الحزب، وسط ضغوط أمريكية ومالية وسقوط نظام الأسد الذي قطع خط إمداد الحزب الرئيسي. وتخصص الدراسة قسمًا لتفكيك عملية "إعادة تشكيل" حزب الله عبر أربعة مسارات متوازية: تعزيز السرية الداخلية وتعيين نواب احتياطيين للقادة لتفادي تكرار الشلل القيادي، تهميش وحدة الارتباط والتنسيق السياسي لصالح فصل أوضح بين القرار السياسي والعسكري، تعمّق الدور الإيراني عبر "الفيلق اللبناني" وميزانية شهرية إيرانية مقدرة بـ50 مليون دولار لإعادة التسليح، وأخيرًا العودة إلى عقيدة عماد مغنية القتالية القائمة على خلايا صغيرة ومخازن أسلحة موزعة وتقليص الاعتماد على الاتصالات الرقمية. وتخلص الدراسة إلى أن العجز عن الاستهداف الدقيق دفع "إسرائيل" نحو نمط تدمير وتهجير أوسع أقرب إلى "نموذج غزة"، وأن الحرب تتجه إلى مأزق مفتوح من دون أفق تسوية حقيقي، إذ لا تبدي "إسرائيل" استعدادًا لتسوية لا تتضمن نزعًا كاملًا لسلاح حزب الله مع إبقاء وجودها العسكري في الجنوب - وهي شروط تكرر، بحسب الدراسة، الديناميات ذاتها التي أنتجت صعود الحزب أصلًا في الثمانينيات. كما تناقش محدودية أدوات الاتحاد الأوروبي للضغط على "إسرائيل"، وتطرح كشرط بعيد المدى لنزع السلاح: الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وتعزيز صلاحيات اليونيفيل ضمن الفصل السابع، والتزامًا أوروبيًا ببناء قدرات الجيش اللبناني.