اتهمت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق الدولية المعنية بإيران، اليوم الخميس، القوات الأميركية بارتكاب جرائم حرب في إيران، بالتوازي مع تحميل السلطات الإيرانية المسؤولية عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال حملة القمع الدامية للاحتجاجات المناهضة للحكومة. وجاء ذلك في أحدث تقرير أصدرته البعثة الدولية المستقلة والمزمع تقديمه إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، موثقاً سلوك القوات الأميركية خلال الحرب التي اندلعت ضد إيران في شباط/فبراير الماضي، إلى جانب رد الفعل الحكومي الإيراني تجاه موجة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في كانون الأول/ديسمبر2025. وسلط التقرير الضوء على غارتين جويتين استهدفتا مدرسة ومنشأة رياضية في إيران خلال شباط/فبراير، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 178 مدنياً، بينهم أطفال ونساء. وتأتي هذه النتائج على النقيض من تأكيدات مسؤولين أميركيين سابقاً التزام العمليات العسكرية بقانون النزاعات المسلحة، في وقت تواصل فيه طهران نفي اتهامات ارتكاب انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان. في بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، أصاب صاروخ أميركي واحد على الأقل مدرسة "شجرة الطيبة" الابتدائية في مدينة ميناب جنوبي إيران، وفقا لتحقيق أجرته وكالة "أسوشيتد برس"، وذكرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية حينها أن الهجوم أسفر عن مقتل 168 شخصا، معظمهم من الأطفال. ووفقا لما أظهرته نتائج التقرير الأممي، فقد أصبح لدى الخبراء في بعثة تقصي الحقائق الدولية المعنية بإيران أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات الأميركية مسؤولة عن هجوم مدرسة "الشجرة الطيبة" في ميناب، تتمثل في "شن هجمات عشوائية أسفرت عن مقتل أو إصابة مدنيين أو إلحاق أضرار بأهداف مدنية". وخلصت البعثة إلى أن إخفاق الولايات المتحدة في تحديث بياناتها المتعلقة بالمدرسة الواقعة بجوار مجمع للبحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي، ضمن قواعد بيانات الأهداف لديها، وتقاعسها عن التحقق من كون المبنى هدفاً عسكرياً، يتجاوزان مجرد الإهمال، بما يجعل الاستهداف يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي. وأكد خبراء الأمم المتحدة أن المدرسة كانت هدفاً مدنياً واضح المعالم، ولم يعثروا على دليل واحد يثبت استخدامها لأغراض عسكرية، مضيفين أن "الولايات المتحدة وجهت الضربات إلى مبنى المدرسة وهي على علم بوجود خطر كبير يتمثل في إصابة هدف مدني، وتصرفت بتهور إزاء احتمال وقوع ذلك". وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد نفى في حزيران/يونيو الماضي وقوع أي استهداف متعمد للمدرسة، مشيراً إلى وجود تحقيق جار في الواقعة. وكانت وكالة "رويترز" أول من كشف أن تحقيقاً داخلياً أولياً للجيش الأميركي رجح مسؤولية قواته عن الغارة الدامية في ميناب. كما توصلت البعثة الأممية إلى استنتاج مماثل بشأن ضربة استهدفت مركزاً رياضياً في مدينة لامرد جنوبي إيران -في أول أيام الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إذ أفاد التقرير بأن الهجوم ألحق أضراراً بمبان سكنية ومدرسة، وأسفر عن مقتل وإصابة 22 مدنياً. وخلصت نتائج التحقيق إلى أن الضربة هذه كانت عشوائية أيضاً، وترقى بالتالي لجريمة حرب. ومن جهتها، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في بيان في آذار/مارس الماضي عدم تنفيذ القوات الأميركية لأي ضربات داخل مدينة لامرد في ذلك اليوم. وتناول التقرير أيضاً الانتهاكات التي يزعم أن النظام الإيراني ارتكبها ضد المدنيين خلال احتجاجات اندلعت أواخر كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، والتي تتضمن عمليات قتل غير قانونية وتعذيباً واعتقالات تعسفية وإخفاءً قسرياً وقيوداً مشددة على حرية التعبير، وفقاً للتقرير. وأكدت النتائج ضلوع السلطات الإيرانية في قمع المحتجين وتعذيبهم. وأفادت جماعات حقوقية بأن مارة لا صلة لهم بالاحتجاجات كانوا من بين ضحايا أوسع حملة قمع تشهدها إيران منذ الثورة الإسلامية 1979. وأقرت البعثة بأنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من الحصيلة، لكنها رجحت أن تكون أعداد القتلى والمصابين أعلى بكثير من الأرقام الرسمية البالغة 3038 قتيلاً و25 ألف مصاب. وخلص التقرير إلى أن رد الحكومة على الاحتجاجات، بما تخلله من عنف وعمليات قتل وقطع للإنترنت ولجوء إلى عقوبة الإعدام، يمثل تصعيداً كبيراً يفوق الأنماط المعتادة في قمع المعارضة، وهو ما يصنف باعتباره جريمة ضد حقوق الإنسان. في المقابل، تُحمّل طهران المسؤولية عما جرى في الاحتجاجات لـ"إرهابيين ومثيري شغب" مدعومين من معارضين في الخارج ومن خصمَيها، الولايات المتحدة وإسرائيل. وتتألف بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق المعنية بإيران من خبراء مستقلين، برئاسة القاضية سارة حسين. وكان مجلس حقوق الإنسان -أعلى هيئة معنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة- قد أنشأها عام 2022 عقب وفاة الشابة مهسا أم