من الواضح أن الحكومة اللبنانية، الخارجة منتصرة من معركة الثقة النيابية الجديدة، تحاول تفعيل دورها في الجنوب على خطوط عدة: تكريس دور الجيش والمؤسسات الأمنية والإدارية في مدن الجنوب وقراه التي لم يتوغل فيها الإسرائيليون حتى الآن، السعي لدى واشنطن لكبح جماح التمدد الإسرائيلي، البحث عن صيغ لدعم الجيش لوجستياً من خلال مؤتمر باريس، وإيجاد خيارات بديلة لليونيفيل التي باتت على وشك الخروج من الجنوب. لكن مساعي لبنان تصطدم بإصرار تل أبيب على توجيه إشارات ميدانية وسياسية معاكسة، ومفادها: سنمضي في عملياتنا، وفي فرض واقع توسعي في الجنوب، إذا لم ينجح الجيش اللبناني في نزع سلاح حزب الله. وآخر هذه الإشارات جاءت اليوم على لسان بنيامين نتنياهو: "سنتعامل مع حزب الله حتى إسقاطه". فالمواقف والسلوكيات الإسرائيلية تظهر اتجاهاً متصاعداً نحو تثبيت واقع ميداني توسعي ينتهك مفاهيم الانسحاب والتهدئة. وفيما شهد الجنوب اليوم مزيداً من القصف والتفجيرات والغارات وتحليقاً مكثفاً للطيران المسيّر وصولاً إلى السلسلة الشرقية، يبدو أن تل أبيب تحاول استغلال الفجوة الزمنية الفاصلة عن الاستحقاقات السياسية لتقويض فرص التهدئة، وفرض حزام أمني متدرج، بهدف دفع التفاوض نحو مسارات الشروط المنفردة. وينتظر أن يشكل الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش في باريس، الذي جمع الرئيس جوزاف عون بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بحضور دولي وأميركي واسع، محطة لتثبيت مظلة دولية للشرعية اللبنانية. وجاء تأكيد ماكرون أن دعم الجيش "أمر حاسم ليحل مكان الوجود الإسرائيلي غير الشرعي"، ليتلاقى مع إعلان عون أن "اللبنانيين اختاروا الدولة ومؤسساتها دون سواها لحماية السيادة". كما أكد ماكرون أنّ "لبنان السيد والمستقر يُعد خطوة حاسمة نحو تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة برمتها". وركزت الطروحات في المؤتمر على وضع آليات ومهمات جديدة لمرحلة ما بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل" تجنباً لأي فراغ أمني. وتنوعت الخيارات المطروحة بين مهمة دولية جديدة تقودها فرنسا وإيطاليا خارج التغطية التقليدية، أو بعثة تحت مظلة الاتحاد الأوروبي تركز على التدريب والتجهيز وتبادل المعلومات، فيما تمسك الجانب اللبناني بتنفيذ "اتفاق الإطار" وربط ملف الانتشار الأمني بمشاريع إعادة الإعمار واستئناف التنقيب عن النفط والغاز. وأعرب عون عن ارتياحه لسير المداولات التي شهدها الاجتماع، مثمّناً عالياً الجهود التي بذلها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في التحضير لهذا الاجتماع، وحرصهما المتواصل على دعم لبنان في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه. كما عبر عن أمله في أن تلقى احتياجات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، كما عُرضت في التقارير التي قدّمها الوفد اللبناني المشارك في الاجتماع، التجاوب المطلوب من الدول والجهات الشقيقة والصديقة، بما يتيح تعزيز قدرات المؤسستين العسكرية والأمنية وتمكينهما من الاضطلاع بمهامهما الوطنية. وأفادت معلومات أنه تم توزيع تقرير تقني مفصّل وزّع على المشاركين في المؤتمر التحضيري لمؤتمر دعم الجيش وكلمة قائد الجيش العماد رودولف هيكل ركزت على أدوار الجيش ومهماته وارتباطه بالمواطنين والمعوقات بوجه عمله رغم أن التصميم موجود. وقبيل افتتاح الاجتماع، عقد اجتماع ثلاثي ضم رئيس الجمهورية والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني والرئيس الفرنسي ماكرون. ووفق الرئاسة اللبنانية، ركز اللقاء الثلاثي على آليات رفع مستوى التعاون والتنسيق في المجالات ذات الاهتمام المشترك. كما تناول البحث أهمية استضافة فرنسا للجولة الجديدة من مبادرة "اجتماعات العقبة" والتي تبحث سبل دعم الجيش اللبناني لتمكينه من الاضطلاع بمهامه في الحفاظ على أمن اللبنانيين وسلامتهم، بالتعاون مع قوى الامن الداخلي. وقد انتهى المؤتمر التحضيري بلائحة أولويات من دون تحديد موعد نهائي لمؤتمر الدعم الأساسي، وأعلن بيان فرنسي أردني مشترك تأكيد دعم البلدين لجهود لبنان لضمان أمنه وتعزيز سيادته على أراضيه. من جهة أخرى، تشكل جلسة الحكومة اليوم نقطة ارتكاز سياسية بعد نيلها ثقة النواب للمرة الثالثة، في خطوة حملت دلالات سياسية وتوازنات صريحة. فقد ظهّرت تفويضاً جديداً للحكومة لتمضي قدماً في إدارة ملفات التفاوض، وحصر السلاح، والعمل على حماية الاستقرار الداخلي عبر المعالجة المتوازنة للملفات الاجتماعية والاقتصادية. وبرز الموقف الرسمي في تأكيد التمسك بالمسار التفاوضي كخيار أقل كلفة يمنع الانزلاق نحو صراعات أهلية أو مواجهات مفتوحة، مع التأكيد على أن حماية الأرض وإدارتها يجب أن تظل تحت مظلة القرار الوطني الجامع. إذاً، يجد لبنان نفسه اليوم أمام صراع مسارات حاسم: مسار دولي ومحلي يسعى إلى بناء مؤسسات عسكرية وأمنية قادرة على ب