هناك، في عين السنديانة في المتن، لا تبدو الأرض بالنسبة إلى الدكتور هادي جرداق مجرد مكان يعود إليه عندما يبتعد عن أبوظبي. هي أشبه بنقطة البداية التي يعود إليها كلما أراد أن يتذكر من هو. طبيب رئة، مؤسس ورئيس تنفيذي لمركز طبي يضم مئات الموظفين وعشرات الأطباء، درس الطب والإدارة وعاش بين لبنان وفرنسا والإمارات، لكنه حين طُلب منه أن يعرّف عن نفسه في حلقة جديدة من "بودكاست مع نايلة"، اختار كلمات أبسط بكثير: "إنسان لبناني من عين السنديانة بالمتن، طبيب بالمهنة، وصانع نبيذ بشغف". ومن هذه الجملة، يمكن تقريباً فهم الحكاية كلها. يؤمن جرداق بأن الإنسان، مهما ابتعد، يبقى مشدوداً إلى الطبيعة. فالتمدّن، كما يقول، حديث نسبياً في تاريخ البشرية، أما علاقتنا بالأرض فأقدم بكثير. وهو، إبن المزارع، لم يتخلّ عن هذا الإرث. في عين السنديانة، حوّل أرضه إلى مساحة يجد فيها شيئاً يصعب العثور عليه وسط إيقاع المستشفيات والإدارة والحياة السريعة: الهدوء. مزرعة عائلية تعتمد قدر الإمكان على الاكتفاء الذاتي، من الطاقة والشمس إلى المواشي والخضر، أصبحت بالنسبة إليه مساحة للتأمل وملاذاً يعيده إلى جذوره. لكن على بعد آلاف الكيلومترات، هناك حياة أخرى. في أبوظبي، انتقل جرداق من ممارسة الطب إلى خوض تجربة الإدارة وتأسيس "مركز هارلي ستريت الطبي"، الذي نما ليضم أكثر من 400 موظف ونحو 80 طبيباً. ومع هذا النمو، اكتشف أن إدارة مؤسسة طبية لا تتعلق بالأرقام والقرارات فحسب، بل بالناس أيضاً. لهذا، يتحدث عن مفهوم "الأمان النفسي" داخل بيئة العمل، وعن ضرورة أن يشعر الموظف بأنه يستطيع أن يخطئ من دون أن يتحول الخطأ إلى تهديد دائم له. فالخطأ الإنساني، بالنسبة إليه، ممكن ما دامت خلفه نية صادقة والتزام بالعمل. وتعود هذه القناعة إلى سنوات تدريبه في فرنسا، حيث عاش مواقف جعلته يعيد التفكير في معنى المسؤولية والتسامح والثقة. ومن هنا جاءت فلسفته في الإدارة: القيادة بالقدوة، لا بالسيطرة، ومنح الفريق مساحة للعمل بدلاً من الوقوع في فخ الـMicro-management والسعي الدائم إلى الكمال. فالطبيب الذي يقود مؤسسة كبيرة لا يفصل الإدارة عن الإنسان، تماماً كما لا يفصل الطب عن تفاصيل الحياة اليومية. وعندما ينتقل الحديث إلى اختصاصه في الأمراض الرئوية، تتغير نبرة الحوار. يقلقه انتشار التدخين الإلكتروني والنرجيلة، خصوصاً بين الجيل الجديد. ويحذّر من الاعتقاد أن الـVaping بديل آمن من السجائر، كما يلفت إلى كمية التدخين الكبيرة التي قد يتعرض لها الشخص خلال جلسة نرجيلة واحدة. لكن المشكلة، في نظره، ليست طبية فقط. هناك أيضاً الجانب النفسي والاجتماعي: كيف نبني شخصية شاب قادر على أن يقول "لا" عندما يصبح التدخين جزءاً من ضغط المجموعة؟ ومن الرئة، يصل الحديث إلى شيء نمارسه جميعاً ولا ننجح فيه دائماً: النوم. يفرّق جرداق بين انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم وبين الأرق المرتبط بالتوتر ونمط الحياة. وفي عالم أصبحت فيه الشاشة آخر ما نراه قبل إغلاق أعيننا وأول ما نبحث عنه عند الاستيقاظ، يعيدنا إلى قواعد تبدو بسيطة: موعد ثابت للنوم والاستيقاظ، غرفة مظلمة، الابتعاد عن الأجهزة الإلكترونية، والعودة إلى القراءة بدلاً من الشاشة. حتى القيلولة لها حدود. "Power Nap" قصيرة قد تعيد النشاط، لكن عندما تتجاوز نحو 30 دقيقة قد تأتي بنتيجة معاكسة. ومع ذلك، يصعب اختصار هادي جرداق بصورة الطبيب أو المدير. هناك الرجل الذي يقرأ ويحب الشعر والزجل اللبناني، ويلعب الشطرنج ليحافظ على نشاط ذهنه. وهناك أيضاً صانع النبيذ الذي حمل معه شيئاً مما تعلّمه في فرنسا ليعيد تطبيقه على أرض المتن. من هنا وُلد مشروعه لصناعة النبيذ اللبناني "ميستارط، بشغف يقوم على محاولة إنتاج نبيذ يعكس جودة التربة والمناخ المحلي، مستفيداً من تقاليد صناعة النبيذ الفرنسية. وبين الطب والزراعة والنبيذ والشطرنج والإدارة، تبدو الخيوط متباعدة، لكنها تلتقي عند فكرة واحدة: المعرفة لا قيمة لها إذا انفصلت عن الإنسان. حتى عندما يتحدث عن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لا يتعامل معهما غاية في ذاتهما، بل أداتين يجب أن تبقيا في خدمة الخير والإنسانية. وفي النهاية، تعود الحكاية إلى حيث بدأت: إلى الأرض. فبين مركز طبي في أبوظبي ومزرعة في عين السنديانة، وبين غرفة مريض وكرم عنب، بنى هادي جرداق عالماً يبدو للوهلة الأولى مليئاً بالتناقضات. لكنه بالنسبة إليه عالم واحد. لأن الإنسان قد يسافر، يدرس، يؤسس ويدير، لكنه يبقى، في مكان ما داخله، إبن الأرض.