من عشرات المنشورات شهرياً إلى دعم سياسيين وأحزاب بعينها، بات إيلون ماسك لاعباً حاضراً في النقاش السياسي البريطاني من خلف شاشة منصة "X"، مستخدماً جمهوره الواسع للتدخل في ملفات الهجرة والهوية وقيادة اليمين الشعبوي، إلى درجة دفعت السلطات البريطانية، بحسب تقرير أميركي، إلى متابعة منشوراته في إطار تقييم "مخاطر على الأمن القومي". وبحسب تقرير للصحافي تومر ألماغور في موقع "N12" الإسرائيلي، استناداً إلى تحليل نشرته صحيفة "وول ستريت جورنل"، تحول ماسك خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في السياسة العالمية، ولم يتردد في التدخل مراراً لمصلحة مرشحين من اليمين في دول مختلفة، إلا أن بريطانيا احتلت مساحة استثنائية في اهتمامه، حيث ترك حضوره على منصة "X" أثراً ملحوظاً في ديناميات اليمين الشعبوي. ووفق تحليل الصحيفة، نشر ماسك في بعض الأشهر نحو 200 منشور يتعلق بالسياسة البريطانية، وهو عدد يفوق ما نشره عن أي دولة أخرى، فيما كان يتطرق في الشهر العادي عشرات المرات إلى الشأن البريطاني. ولا يوفر ماسك شخصيات سياسية بريطانية من انتقاداته الحادة. ففي أحد منشوراته وصف رئيسة بلدية بلفاست بأنها "خائنة لشعبها"، وفي منشور آخر وصف سياسياً بريطانياً بأنه "وغد وخائن"، فيما قال في مناسبة ثالثة إن "حرباً أهلية لا مفر منها" في بريطانيا بسبب الهجرة. ويقدم ماسك بريطانيا بصورة متكررة على أنها دولة فاشلة تفقد هويتها الغربية بسبب ما يعتبره هجرة إسلامية جماعية، وهي مواقف جعلت تدخله في النقاش البريطاني محط متابعة سياسية وأمنية متزايدة. وتركز اهتمام الملياردير خصوصاً على اليمين الشعبوي البريطاني. ففي البداية، دعم بقوة زعيم حزب "Reform UK" نايجل فاراج، الذي يتمتع بقاعدة دعم واسعة في هذا المعسكر. والتقى فاراج ماسك، وبحث الرجلان إمكان تقديم الأخير تبرعاً، إلا أن هذا التبرع لم يصل في نهاية المطاف. وبحسب فاراج، طالب ماسك لاحقاً بإدخال شخص مدان قضائياً سبق أن أمضى عقوبة في السجن إلى الحزب، إلا أن فاراج رفض الطلب، وقال إنه "لن يسمح لماسك بالتنمر عليه". وعندها انقلب موقف ماسك، معلناً أن الحزب "يحتاج إلى قائد جديد"، وأضاف عن فاراج: "ليس لديه ما يلزم". بعد ذلك، نقل ماسك دعمه إلى اسم جديد هو روبرت لوي، السياسي البريطاني الذي كان حتى وقت قريب شبه مجهول على نطاق واسع. وكان لوي قد غادر حزب فاراج بعدما اتهمه بتليين مواقفه المتعلقة بالهجرة، قبل أن يصبح في قلب الاهتمام الذي يمنحه ماسك للسياسة البريطانية. ووصف ماسك لوي بأنه "الأمل الوحيد لإنقاذ مستقبل بريطانيا"، كما يكرر الإشادة به وإعادة نشر منشوراته على "X"، الأمر الذي يمنحها ملايين المشاهدات ويسهم في توسيع حضوره كلاعب في الساحة السياسية البريطانية. أما الحزب الجديد الذي يدعمه لوي، والذي تصفه المصادر التي استند إليها التقرير بأنه ينتمي إلى اليمين المتشدد، فيحصل على نحو 5% في استطلاعات الرأي البريطانية، ويستقطب مؤيدين يركزون بصورة خاصة على قضيتي الهجرة ومكانة السكان البيض في بريطانيا. لكن دعم ماسك لهذا المسار قد تكون له نتيجة معاكسة داخل اليمين الشعبوي نفسه، إذ يشير التقرير إلى أن ظهور حزب لوي يوزع أصوات هذا المعسكر بينه وبين حزب فاراج، بدلاً من تجميعها داخل إطار واحد. وهذه قراءة أوردتها الصحيفة وليست حكماً على النتيجة الانتخابية المقبلة. وفي ظل هذا النشاط المكثف، ذكرت "وول ستريت جورنل" أن مسؤولين بريطانيين تابعوا منشورات ماسك إلى جانب منشورات مستخدمين آخرين على منصة "X"، على خلفية ما اعتبروه مخاطر محتملة على الأمن القومي، لكنهم قرروا في نهاية المطاف عدم اتخاذ إجراء رسمي بحقه. ولا يخفي ماسك ارتباطه الشخصي ببريطانيا، إذ تعود أصول جدته من جهة والده إلى مدينة ليفربول في شمال إنكلترا. وكان قد قال خلال تجمع في لندن قبل نحو عام: "أنا من أصول بريطانية في معظمها، ومن تراث وأصل بريطانيين. أريد لبريطانيا أن تكون أعظم مما كانت عليه في أي وقت مضى". وبين مئات المنشورات، والهجوم على قيادات سياسية، والانتقال من دعم فاراج إلى الترويج للوي، تكشف تجربة ماسك في بريطانيا كيف باتت قوة الوصول عبر منصة يملكها رجل واحد قادرة على منحه حضوراً مباشراً داخل صراعات حزبية في دولة أخرى، فيما يبقى الجدل قائماً حول الحدود الفاصلة بين التعبير السياسي الشخصي والتأثير الفعلي في المشهد العام.