لم يعد تقدم الحوثيين في اليمن محصوراً بجبهة واحدة، إذ باتت خريطة القتال تمتد من الجوف ومأرب شرقاً إلى الساحل الغربي وباب المندب جنوباً، وسط مكاسب ميدانية تمنحهم قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة، مقابل معسكر مناهض يعاني الانقسام وإعادة التموضع. وبينما تتجه الأنظار إلى عدن باعتبارها هدفاً محتملاً، تبقى مأرب بثرواتها النفطية والغازية عقدة رئيسية قد تحدد شكل المرحلة المقبلة. وبحسب تقرير للصحافية سبير ليبكين في موقع "N12" الإسرائيلي، أُعد بمساعدة الباحثة في الشؤون اليمنية عنبال نسيم-لوبتون، من الجامعة المفتوحة ومركز دايان في جامعة تل أبيب، فإن السيطرة الحوثية على منطقة باب المندب ليست سوى جزء من مشهد عسكري أوسع، في وقت يبرز السؤال بشأن الوجهة التي سيتركز عليها الجهد العسكري المقبل. ويأتي ذلك بالتزامن مع تقرير لوكالة "رويترز" أفاد بأن الصين طلبت من إيران استخدام نفوذها للضغط على الحوثيين والحد من تصعيدهم، وذلك بعد لجوء السعودية إلى بكين عقب التقدم الحوثي السريع على ساحل البحر الأحمر وحول باب المندب، لما يحمله ذلك من مخاطر على الملاحة وصادرات النفط. وفي الجوف، شمال شرقي صنعاء وقرب الحدود السعودية، بدأت إحدى الجبهات المبكرة في الجولة الحالية على خلفية تمرد قبلي، قبل أن تنضم إليه لاحقاً قبائل إضافية وقوات حظيت بدعم سعودي. وعلى خلاف سرعة التقدم الحوثي على الساحل، تمكنت القوات المحسوبة على الحكومة المعترف بها وتلك المدعومة من السعودية في الجوف من الاحتفاظ بجزء من مواقعها، كما سيطرت على محور وصول كان الحوثيون يستخدمونه لنقل الإمدادات. أما جنوب الجوف، فتبرز مأرب بوصفها واحدة من أهم ساحات المواجهة وأكثرها حساسية، نظراً إلى غناها بالنفط والغاز. وشهدت المحافظة معارك متقطعة طوال سنوات، ولا تزال اليوم إحدى الجبهات النشطة. وبالنسبة إلى الحوثيين، فإن السيطرة على مأرب لن تمثل مجرد مكسب جغرافي، بل قد تمنحهم السيطرة على أصول مهمة في قطاع الطاقة، بما يعزز موقعهم الاقتصادي والعسكري. وفي الجنوب وحضرموت، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فقد سجل نشاط لقوات محلية في أجزاء من حضرموت، فيما أظهرت مشاهد من الميدان مقاتلين يرفعون علم جنوب اليمن السابق. وعلى امتداد سنوات الحرب، عملت في الجنوب تنظيمات وقوات مختلفة، بعضها تلقى دعماً من الإمارات. وحتى بعد تراجع مستوى التدخل الإماراتي المباشر، بقيت على الأرض تشكيلات ومجموعات محلية لم تندمج بصورة كاملة مع بقية القوى، ما يجعل المعسكر المناهض للحوثيين بعيداً عن أن يكون جبهة موحدة. لكن التطور الأبرز خلال الأيام الأخيرة وقع على الساحل الغربي، حيث تقدم الحوثيون جنوباً بمحاذاة البحر الأحمر، بما في ذلك داخل مناطق كانت تنشط فيها قوات طارق صالح. ووفق التقرير، سيطر الحوثيون على حيس والخوخة في جنوب محافظة الحديدة، ثم واصلوا تقدمهم نحو المخا في غرب تعز، ومنها إلى ذباب القريبة من باب المندب. ومن هناك، بلغ التقدم النقطة الأكثر حساسية استراتيجياً: مضيق باب المندب. كما وصل الحوثيون إلى جزيرة بريم، المعروفة أيضاً باسم ميون، الواقعة في قلب المضيق، وسيطروا بالتوازي على جزيرتي حنيش وزقر في البحر الأحمر. وكانت "رويترز" قد أكدت في الأيام الماضية وصول قوات حوثية إلى بريم وحنيش بعد تقدمها على طول الساحل والاستيلاء على المخا، ما عزز المخاوف المرتبطة بأحد أهم الممرات البحرية العالمية. وتشرح الباحثة عنبال نسيم-لوبتون أن السيطرة على منطقة باب المندب تمنح الحوثيين مساحة عملياتية أوسع في مواجهة السفن، قائلة: "سيحتاجون إلى قدر أقل بكثير من المعلومات الاستخباراتية والأسلحة المتطورة لاستهداف السفن". وأضافت أن الحوثيين يحرصون على القول إن الحصار البحري يستهدف السعودية وحدها، لكنها أشارت إلى أنهم لا يحتاجون بالضرورة إلى إعلان حصار ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل أيضاً. وقالت: "يكفي أن يضيّقوا هذا الممر كي تمتنع شركات الشحن عن المرور فيه. ومن لا يملك تفاهمات مسبقة سيحاول، في كل الأحوال، ألا يمر من هناك". وبعد المكسب الذي حققه الحوثيون في باب المندب، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانوا سيحاولون استثمار الزخم والتقدم جنوباً نحو عدن. وكان الحوثيون قد سيطروا على عدن لفترة قصيرة في بداية الحرب الأهلية عام 2015، قبل أن يُطردوا منها، إلا أن تقدمهم الحالي باتجاه المخا وباب المندب يعيد الطريق الساحلي جنوباً إلى دائرة الاهتمام العسكري. وترى نسيم-لوبتون أن السيطرة على عدن، إذا حصلت، لن تكون مجرد انتصار عسكري، بل ستحمل قيمة رمزية ومعنوية كبيرة. وقالت: "بالنسبة إلى الحوثيين، السيطرة على عدن لن تكون فقط انتصاراً عسكرياً مهماً، بل أيضاً إنجازاً ذا قيمة رمزية ومعنوية كبيرة جداً، ويمكن أن يخلق تأثير الدومينو". وأضافت أن عدن هي العاصمة التاريخية لجنوب اليمن،