لم يعد مرفأ بيروت يشهد الحركة نفسها التي كان يشهدها على امتداد عقود ماضية لوصول ومغادرة تجهيزات لوجستية وآليات تعود لقوات الطوارىء الدولية، بل على العكس ومنذ العام الماضي، باتت هذه الحركة في اتجاه واحد وهو المغادرة. والمشهد نفسه ينسحب على قوافل السيارات التابعة للجنود الدوليين المغادرين لبيروت عبر المطار، من دون أن يتم تسجيل توجه أي آليات تابعة لهم نحو الجنوب، حيث يقتصر الحضور الدولي على بعض المراكز، بعدما بدأت اليونيفيل بتسليم ممواقعها للجيش اللبناني في الأيام الماضية. وخلافاً لكل ما هو شائع منذ بدء الحديث عن مغادرة قوات الطوارىء الدولية لجنوب لبنان مع نهاية العام الحالي، فإن الوجود الدولي في لبنان لا يقتصر فقط على اليونيفيل، بل يشمل أيضاً فريق مراقبة الهدنة الذي أُنشئ في إطار اتفاق الهدنة لعام 1949، والذي اعتُمد وفقاً للمادة 40 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ومع بدء العدّ العكسي لرحيل اليونيفيل، يحذّر سفير لبنان السابق في الأمم المتحدة هشام حمدان، من "خطرٍ داهم يتمثل بمحاولات للإطاحة بقرار الهدنة بالتزامن مع سحب اليونيفيل". ويكشف السفير حمدان ل"ليبانون ديبايت" عن "محاولات صامتة جرت في السابق في الأمم المتحدة، وبدعم أميركي في حينه، لإنهاء مفعول هذا القرار"، مؤكداً أنه تصدّى لإحداها عندما كان المندوب المناوب في الأمم المتحدة. ويوضح حمدان أنه غالباً ما تُطرح هذه المسألة في اللجنة المالية والإدارية، أي اللجنة الخامسة في الأمم المتحدة، من خلال باب تمويل المراقبين، موجهاً دعوة مباشرة إلى الحكومة اللبنانية إلى التحقق من هذا الأمر بدقة، والتأكد من استمرار عمل المراقبين، وعدم القبول إطلاقاً بأي قرار قد يكون اتُّخذ في الجمعية العامة من شأنه إنهاء مهمتهم أو المساس بالأساس القانوني الذي تستند إليه. فقرار الهدنة، وفق هذا التفسير، يتابع حمدان، يرتبط بإطار الفصل السابع، ولا يجوز تغييره أو إنهاء مفاعيله إلاّ بقرار من مجلس الأمن، وبموافقة الأطراف المعنية، أي الأمم المتحدة ولبنان وإسرائيل. وعن السؤال حول ما إذا كانت روما "بوابة لقوة متعددة الجنسيات"، يلاحظ حمدان جهوداً لبنانية لإقامة قوة متعددة الجنسيات بدلًا من اليونيفيل، معتبراً أن "الزيارات إلى روما جزء من هذا المسار". وعند هذا الحدّ لا بدّ من التذكير، وفق حمدان، بما حدث عام 1982، عندما وصلت إلى بيروت قوة متعددة الجنسيات خلال الغزو الإسرائيلي ومرحلة خروج منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت القوة مؤلفة آنذاك من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، ليتساءل ما إذا كان لبنان اليوم أمام محاولة مماثلة جديدة، رغم أن إسرائيل لا تزال، حتى الآن، لا تقبل بمشاركة فرنسا. كذلك يلفت حمدان إلى أن اليونيفيل "لم تكن فاعلة بالقدر الكافي، وليس بالضرورة بسبب تقصير منها، بل لأن مهمتها لم تكن تخوّلها مواجهة الأعمال العسكرية التي كانت تحصل في الجنوب، كما أن بعض الثغرات في مواقع انتشارها سمحت لإسرائيل وللمقاتلين المناوئين لها باستغلالها في عملياتهم، وقد تجاوزت إسرائيل حواجز اليونيفيل خلال اجتياحاتها للبنان، من دون أن تكون للقوة القدرة على وقف تقدمها أو منعه، إنما مع ذلك، كانت لليونيفيل أدوار مهمة في المراقبة وإعداد التقارير، فضلًا عن الخدمات الإنسانية والإجتماعية التي قدمتها، وفرص العمل التي وفرتها لأبناء الجنوب". ويشدد حمدان على أن لا بديل للبنان عن التمسك بقواعد القانون الدولي، معتبراً أنه في كل الأحوال، من الأولوية أن "لا يتنازل لبنان قيد شعرة عن حقوقه وموجباته وفقًا لقرار الهدنة وقرارات الأمم المتحدة، لأن الانتقال إلى حلول سياسية تحت عنوان الواقعية والبراغماتية، قد يؤدي إلى إلحاق ضرر كبير بحقوقه السيادية وباستقلال قراره، سيّما وأنه في مرحلة تتغير فيها موازين القوى بسرعة، تبقى قرارات الأمم المتحدة، بالنسبة إلى لبنان، من آخر المظلات القانونية التي لا يجوز التفريط بها".