لم يعد التقارب النفطي بين الولايات المتحدة وفنزويلا مجرد تحول في سياسة العقوبات. توقيت المفاوضات، قبل انتخابات منتصف الولاية الرئاسية الأميركية المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، يضع الاتفاق المحتمل في قلب معركة أميركية داخلية عنوانها تكلفة البنزين. لم يُوقّع الاتفاق بعد، ولا تزال تفاصيله قيد البحث بين واشنطن والحكومة الفنزويلية الانتقالية. لكن المفاوضات تدور حول ضمان وصول الولايات المتحدة في الأجل البعيد إلى إنتاج مجموعة من الحقول، تتولى شركات أميركية تطويرها، على أن تحصل السوق الأميركية على الإمدادات الناتجة منها. وتضم القائمة المتداولة 17 حقلاً في حزام أورينوكو وبحيرة ماراكايبو، تجمع بين مناطق جديدة وحقول قديمة، وبعضها مرتبط بمصالح صينية. ويُبحَث استخدام نموذج قريب من التأجير، تعقبه مناقصات لتوزيع الحقول على الشركات. لكن هذه الصيغة تصطدم بعقبات قانونية، لأن الدستور الفنزويلي يحصر الأنشطة الأساسية للقطاع بالدولة، فيما لا تتضمن القوانين الحالية نظاماً واضحاً لتأجير الرقع النفطية. وتسمح التعديلات الأخيرة بالمشاريع المشتركة وعقود تقاسم الإنتاج، لكنها لا تعني أن احتياطيات الحقول ستصبح ملكاً للحكومة الأميركية. البنزين يدخل المعركة الانتخابية بلغ متوسط سعر غالون البنزين العادي (الغالون يساوي نحو 3.785 ليترات) في الولايات المتحدة 4.085 دولارات في 24 آب/أغسطس، مرتفعاً بنحو 94 سنتاً، أو قرابة 30 في المئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وكان متوسط السعر خلال عام 2025 نحو 3.10 دولارات فقط. وبالنسبة إلى الناخب، لا يبقى هذا الارتفاع رقماً في تقارير التضخم، بل يظهر يومياً على اللوحات الكبيرة أمام محطات الوقود، وينتقل إلى تكلفة نقل السلع والخدمات والطعام، ما يجعله واحداً من أكثر مؤشرات غلاء المعيشة حساسية سياسياً. وتأتي الانتخابات فيما يدافع الجمهوريون عن سيطرتهم على الكونغرس، في اقتراع يشمل مقاعد مجلس النواب الـ435 كلها ونحو ثلث مقاعد مجلس الشيوخ. لذلك تسعى الإدارة إلى إظهار أنها تتحرك لخفض أسعار الطاقة، سواء عبر الضغط على شركات التكرير وتجار الوقود أو تأمين مصادر إضافية للخام. وأصبح النفط الفنزويلي جزءاً من هذا التحرك، خصوصاً بعدما رفعت حرب إيران أسعار الطاقة واضطربت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وعلى الرغم من تراجع خام "برنت" إلى نحو 89 دولاراً للبرميل في تعاملات 28 آب، بقيت أسعار البنزين في الولايات المتحدة أعلى بكثير من مستويات العام الماضي. الانتخابات قريبة... والحقول تحتاج إلى سنوات تكمن المفارقة الأساسية في أن الجدول السياسي لا يشبه الجدول النفطي. فالانتخابات تبعد أقل من عشرة أسابيع، بينما تحتاج إعادة تأهيل الحقول الفنزويلية إلى سنوات من الاستثمار والعمل. تنتج فنزويلا حالياً نحو 1.1-1.25 مليون برميل يومياً، مقارنة بأكثر من ثلاثة ملايين برميل في أواخر تسعينيات القرن الماضي. وتضرر القطاع خلال السنوات الماضية بفعل نقص الاستثمار وسوء الإدارة والعقوبات وتراجع أعمال الصيانة. ويُعَد أقل من 30 في المئة من الآبار النفطية نشطاً، وفق بيانات نُشِرت في نيسان/أبريل. وتعاني المصافي وشبكات الكهرباء والأنابيب ومحطات المعالجة والموانئ أعطالاً ونقصاً مزمناً في الصيانة. وهذا يعني أن امتلاك احتياطيات ضخمة لا يساوي القدرة على إنتاجها أو تصديرها بسرعة. لذلك لن تضخ الحقول السبعة عشر ملايين البراميل الجديدة قبل تشرين الثاني. وقد يبدأ العائد السياسي من الإعلان عن الاتفاق ووعد الناخب بإمدادات أكثر استقراراً، قبل أن يظهر أثره الإنتاجي الفعلي. ماذا تستطيع واشنطن إنجازه سريعاً؟ لا تحتاج الإدارة الأميركية إلى انتظار تطوير الحقول كي تحقق بعض النتائج. يذهب بالفعل نحو نصف الإنتاج الفنزويلي الحالي إلى المصافي الأميركية، ويمكن زيادة التدفقات عبر تخفيف القيود على الشحن والتأمين والتسويق، وإعطاء الشركات وضوحاً قانونياً يسمح لها بتوسيع نشاطها. كذلك سمحت وزارة الخزانة في 27 آب ببيع المخففات الأميركية إلى فنزويلا. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن معظم النفط الفنزويلي ثقيل جداً، ويحتاج إلى مواد أخف كي يصبح قابلاً للضخ والنقل والتصدير. وتستفيد الولايات المتحدة من قرب فنزويلا الجغرافي ومن ملاءمة خامها لمصافي ساحل الخليج الأميركي، المصممة لمعالجة النفط الثقيل الحامضي. لذلك قد يكون توسيع الإمدادات القائمة أسرع وأكثر واقعية من انتظار ارتفاع كبير في الإنتاج. لكن أثر ذلك في سعر البنزين سيظل مرتبطاً أيضاً بأسعار النفط العالمية، وحركة هرمز، وطاقة المصافي الأميركية، والمخزونات والضرائب وهوامش التوزيع. ليس البرميل الفنزويلي عاملاً منفرداً يستطيع البيت الأبيض استخدامه لخفض السعر فوراً. تكشف التراخيص الأميركية الجديدة أن واشنطن لا ترفع العقوبات ببساطة، بل تعيد ت