تقف كوريا الشمالية اليوم عند واحدة من أقوى مراحلها مالياً ودبلوماسياً منذ سنوات، مع اقتصاد يسجل نمواً متواصلاً وعلاقة متصاعدة مع روسيا، لكن تحقيقاً موسعاً لصحيفة "نيويورك تايمز" يكشف وجهاً آخر لهذا الصعود، يقوم، وفق شهادات ووثائق جمعتها الصحيفة، على منظومة واسعة من العمل القسري والجنود المرسلين إلى الجبهة والسجناء العاملين في صناعة التصدير والقراصنة الإلكترونيين الذين يدرّون مئات ملايين الدولارات على بيونغ يانغ. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، استناداً إلى تحقيق "نيويورك تايمز"، احتفلت كوريا الشمالية الأسبوع الماضي بالذكرى الـ78 لتأسيسها عبر عرض في العاصمة بيونغ يانغ، في وقت أصبحت فيه البلاد قوة نووية بحكم الأمر الواقع، وينمو اقتصادها بأسرع وتيرة منذ سنوات، فيما يحظى زعيمها كيم جونغ أون باهتمام قادة الصين وروسيا والولايات المتحدة. ووفق التحقيق، برز كيم كأحد المستفيدين غير المتوقعين من مرحلة ما بعد جائحة كورونا، إلا أن هذا التحسن في موقعه المالي والدبلوماسي يستند إلى استغلال منهجي للمواطنين الكوريين الشماليين داخل البلاد وخارجها، في منظومة تقول الصحيفة إن موسكو وبكين تتيحان استمرارها. وتشير التقديرات إلى أن كيم يجني مليارات الدولارات من إرسال الجنود والذخائر لدعم الحرب الروسية في أوكرانيا، فيما تسدد موسكو المقابل عبر تكنولوجيا عسكرية متقدمة وسلع أساسية تشمل الطحين ولحم الخنزير والنفط، وهي منتجات يستطيع النظام إعادة بيعها داخل كوريا الشمالية وتحقيق أرباح منها. وعلى الورق، تُقدم كوريا الشمالية نفسها دولة اشتراكية توفر احتياجات مواطنيها مجاناً، لكن التحقيق يصف واقعاً مختلفاً يقوم على نظام الحصص، حيث يُطلب من السكان المشاركة في اقتصاد موازٍ يموّل احتياجات الدولة وطموحاتها العسكرية، من الولائم والسيارات المدرعة واليخوت الفاخرة إلى الصواريخ النووية. وسجل اقتصاد كوريا الشمالية نمواً تجاوز 3% في كل واحدة من السنوات الـ3 الأخيرة، في انعكاس واضح لمسار الانكماش الذي شهدته البلاد خلال جائحة كورونا. لكن خلف الأرقام، تكشف الشهادات عن كلفة بشرية كبيرة، إذ قُتل أو أصيب آلاف الجنود الكوريين الشماليين في ساحات قتال بعيدة. وكتب قائد فصيلة كوري شمالي شاب في يومياته قبل أن يُقتل لاحقاً في المعارك: "أرتجف وأنا أنتظر التقارير اليومية، وأتساءل عن عدد الجنود الذين فقدناهم، وهل تكبدوا خسائر غير مسؤولة سعياً وراء البطولة، وهل استسلموا للخوف أو وقعوا في أسر العدو". وفي الوقت نفسه، يعمل آلاف آخرون بعيداً عن الخطوط الأمامية، سواء في مصانع المسيّرات العسكرية أو في إعادة إعمار المدن المدمرة أو في مشاريع بناء داخل روسيا، بهدف تحقيق حصص الإيرادات التي تحددها حكومة كيم. ولا تقتصر منظومة الإيرادات على الحرب. فبحسب التحقيق، أصبحت منتجات الشعر مثل الشعر المستعار والرموش الاصطناعية أكبر صادرات كوريا الشمالية الرسمية التي لا تخضع لعقوبات الأمم المتحدة، لكن جزءاً كبيراً منها يُنتج داخل معسكرات العمل، حيث يُفرض على السجناء بلوغ حصص يومية محددة، مع خطر الحرمان من الطعام في حال الفشل. وبلغت قيمة مبيعات هذه المنتجات إلى الصين وحدها 188 مليون دولار خلال عام 2024، وفق بيانات الجمارك الصينية التي استند إليها التحقيق. وروت بايك هاي أوك، التي سُجنت في معسكر تشونغوري شمال شرقي البلاد، أن أول ما لفتها عند وصولها كان الرائحة. وقالت إن زنزانة لا يتجاوز حجمها مساحة موقف يتسع لسيارتين كانت تضم أكثر من 100 امرأة، وإن الحراس كانوا يطلبون من السجينات الركوع على بعد نحو 3 أمتار منهم بسبب رائحة الأجساد غير المغسولة، فيما كانت الحشرات تسقط داخل أوعية العصيدة. وقالت بايك: "لم نبصقها لأن حياتنا كانت تعتمد على ذلك". وأضافت أن حياة السجين تعتمد على تحقيق الحصة المطلوبة من الإنتاج، موضحة أن من يفشل يتعرض للضرب ويُخفض مقدار الطعام الذي يحصل عليه. وتقول شهادات سجينات سابقات إن نحو 1 من كل 10 سجناء كان يموت سنوياً داخل المعسكر، فيما وصل اليأس ببعض المحتجزين إلى حد أكل الديدان الموجودة في الجثث. ولا يفلت الكثيرون من نظام الحصص، بحسب التحقيق. فالقرويون يجوبون التلال لجمع الثمار المخصصة للتصدير إلى الصين، وطلاب المدارس يجمعون جلود الأرانب لاستخدامها في صناعة قفازات الجنود، فيما تعمل مصانع الجرارات بخطي إنتاج متوازيين: أحدهما للآليات الزراعية والآخر للدبابات. كما يُستخدم الجيش الكوري الشمالي، الذي يضم نحو 1.3 مليون جندي، قوة عمل مجانية تُرسل إلى مواقع البناء. وتتجاوز عمليات جمع الأموال حدود كوريا الشمالية أيضاً، إذ تحدث التحقيق عن دبلوماسيين يهرّبون السيجار الكوبي وقرون وحيد القرن من أفريقيا داخل الحقائب الدبلوماسية، بهدف جمع ما يسمى "أموال الولاء" لع