بعد حل "قسد" وإتمام اندماج الشمال الشرقي بالدولة السورية، تتجه الأنظار إلى السويداء، وما إن كانت المحافظة الدرزية ستحذو حذو الأكراد، أم ستبقى على التوجّهات الانفصالية التي يعبّر عنها الشيخ حكمت الهجري. لا يمكن إسقاط التجربة الكردية بكامل تفاصيلها على الواقع الدرزي، لأن ظروفاً كثيرة تختلف، لكن في الآن عينه، قد يكون ثمّة اتجاه وحدوي مدعوم خارجياً. المشترك بين التجربتين الكردية والدرزية كان رغبة الطرفين، ضمنياً وعلنياً، بالانفصال عن سوريا، إضافة إلى الإدارات الذاتية والتشكيلات المسلحة الموجودة عند الطرفين، والعنصر الأهم: التواصل مع إسرائيل، الذي أثبتته تقارير وتحقيقات كثيرة، بينها تحقيق لصحيفة "واشنطن بوست". مع ضرورة الإشارة إلى أن شمال شرق سوريا كان أكثر تقدماً لجهة التنظيم والعسكر عن السويداء. لكن في المقابل، للجغرافيا وما يدور في فلكها سياسياً دورٌ محوري في الاختلافات بين الأكراد والدروز. شمال شرق سوريا محاذٍ لتركيا ويقع ضمن دائرة نفوذها وأمنها القومي، وأنقرة تسعى إلى وحدة سوريا. بالمقابل، تقع السويداء في جنوب سوريا، ويفصل بينها وبين إسرائيل درعا. منطقة الجنوب خارجة عن النفوذ التركي، وتعدّ منطقة أمنية إسرائيلية. هذا الفارق الرئيسي قد يكون حاسماً في اختلاف المصير. تركيا تصرّ على وحدة سوريا وتسعى لتقوية الحكومة ودعمها لمواجهة النفوذين الإسرائيلي المتصاعد والإيراني المتراجع، ومن هذا المنطلق دفعت نحو إنهاء التوجهات الانفصالية في الشمال السوري. أما إسرائيل، فتسعى إلى تقسيم سوريا بهدف إضعاف المركز والثقل السنّي، ومن هذا المنطلق، من المستبعد أن تقبل باندماج السويداء. الموقف الأميركي مهم في هذه المقاربة، ويبدو أنّه يوازن بين المساعي التركية والرغبة الإسرائيلية، خصوصاً أن أنقرة وتل أبيب حليفا واشنطن حالياً. من المعروف أن الأكراد كانوا على تنسيق دائم ووثيق مع الإدارة الأميركية، وبالتالي خطوة الحلّ والاندماج تمت بموافقة من الولايات المتحدة، لكن هل ذلك يعني أن الموقف الأميركي يدعم وحدة سوريا بالمطلق؟ الولايات المتحدة رحّبت بخطوة حلّ "قسد" وإتمام الاندماج الكردي بسوريا، لكن وفق الترجيحات، فإن الموقف الأميركي ليس شاملاً، بل جزئي. يقول مصدر سياسي متابع للشأن "لا سياسة أميركية في الشرق الأوسط خارج السياسة الإسرائيلية". ومن هذا المنطلق، من المستبعد أن يواجه المشروع الإسرائيلي بتقسيم جنوب سوريا حدوداً أميركية. لكن في الآن عينه، تقيم الولايات المتحدة وزناً للدور التركي المقبل في الشرق الأوسط، وللعلاقات الوطيدة التي جرى إصلاحها في الفترة الأخيرة بين واشنطن وأنقرة. وبالتالي، فإن الإدارة الأميركية وازنت في المرحلة الحالية بين السعي التركي للحفاظ على حد أدنى من وحدة سوريا ومركزية الحكومة، والرغبة الإسرائيلية في إبقاء الجنوب خارج الإدارة السورية والنفوذ التركي، وقسّمت سوريا إلى قسمين، شمالي وفق السياسة التركية وجنوبي وفق السياسة الإسرائيلية.. الإدارة الإسرائيلية أقوى من أيّ سياسة أخرى جنوب سوريا. المشروع الإسرائيلي يقضي بأن يتحوّل الجنوب إلى منطقة أمنية بشكل أو بآخر، وبالتالي، تكرار سيناريو الأكراد في السويداء مستبعد، خصوصاً أن الفصائل الدرزية التابعة للهجري باتت تعدّ أحد خطوط الدفاع الإسرائيلية المتقدّمة في سوريا، وسبق أن اصطدمت مع القوات الحكومية في احتكاك إسرائيلي – تركي غير مباشر. لكن مصدراً قال لـ"النهار" إن إسرائيل وضعت معادلة أمنية جديدة في سياق المفاوضات مع سوريا، مفادها الاستغناء عن السويداء مقابل غض نظر السلطات السورية الجديدة عن المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل في جبل الشيخ وريف دمشق الغربي والقنيطرة، كما كان الحال مع الجولان خلال عهدي حافظ وبشّار الأسد. وفي حال تم هذا التفاهم الأمني ووافقت السلطات السورية، تتخلى إسرائيل عن السويداء. قبل ساعات من إعلان حل "قسد"، أطلق الهجري تصريحات اتسمت بالحدّة وارتفاع السقف. ربط الدروز بإسرائيل تاريخياً وعقائدياً، وقال إنهم "جزء من دولة إسرائيل". قد تكون تصريحات الهجري رسائل إسرائيلية متزامنة مع مستجدات شمال شرق سوريا، وقد تكون حجزاً لمقعد على طاولة التسويات يميل لجهة إسرائيل مع الحديث عن تفاهمات أمنية محتملة بين دمشق وتل أبيب. لكن ما هو مرجّح أن السويداء لن تعود في الوقت الحالي إلى سوريا، وستبقى أقرب إلى تل أبيب. إسرائيل لن تفرّط بنفوذ بنته جنوب سوريا، وخاصّة في السويداء، ومناطق احتلتها في القنطيرة وجبل الشيخ وريف دمشق الغربي، حتى لو عقدت تفاهمات أمنية مع سوريا. وبالتالي، من المرجّح أن تبقى السويداء خارج عملية الاندماج وفي إطار المناطق الأمنية الإسرائيلية.