جنوب لبنان أمام معادلة جديدة: إسرائيل توسّع النار وتختبر حدود الردع جنوب لبنان أمام معادلة جديدة: إسرائيل توسّع النار وتختبر حدود الردعمن ضربة إلى أخرى يقبع الجنوب أمام تصعيد يتجاوز حدود الرسائلداود رمال – "اخبار اليوم"لا يبدو التصعيد الإسرائيلي الأخير في جنوب لبنان جولة إضافية من جولات تبادل الضربات التي اعتادت المنطقة تسجيلها منذ اتساع المواجهة، بل يحمل في طياته مؤشرات على محاولة إعادة صياغة البيئة الميدانية والسياسية التي تحكم الصراع جنوباً، عبر رفع مستوى العمليات وتوسيع أدواتها ونطاقها الجغرافي في آن واحد. فالمشهد الذي تشكل خلال الساعات الأخيرة لم يقتصر على غارات جوية متفرقة، بل جمع بين القصف الجوي والمدفعي، والتحركات البرية، وعمليات التفجير والتجريف، والتمشيط بالنيران، بما يوحي بأن إسرائيل تسعى إلى اختبار حدود جديدة للحركة العسكرية، بالتوازي مع توجيه رسائل ردع تتجاوز الهدف المباشر لكل ضربة.وتكمن أهمية هذا التصعيد في أن العمليات لم تبقَ محصورة في نطاق جغرافي واحد أو في محور تقليدي من محاور المواجهة. فمن مرتفعات علي الطاهر والنبطية الفوقا وعربصاليم في إقليم التفاح، وصولاً إلى ميس الجبل وحاريص والمنصوري ومجدل زون وكفرشوبا، ظهرت خريطة عمليات واسعة نسبياً، توحي بأن القرار العسكري الإسرائيلي بات يتعامل مع الجنوب باعتباره مساحة عمليات مترابطة، وليس مجموعة من البؤر المنفصلة التي يمكن احتواء التوتر داخلها. وهذا التحول في طريقة توزيع الضربات قد يكون أكثر أهمية من حجم النيران المستخدمة، لأنه يعكس اتجاهاً نحو توسيع المجال الذي تريد إسرائيل أن تفرض داخله معادلة الردع الخاصة بها.ويكتسب الانتقال من استهداف منطقة علي الطاهر إلى ضرب عربصاليم وإقليم التفاح دلالة خاصة، لأن المسألة هنا لا تتعلق فقط بالرد على نشاط عسكري مفترض، بل بتثبيت فكرة أن موقع الفعل العسكري لا يحدد بالضرورة موقع الرد. وهذه المعادلة، إذا تحولت إلى قاعدة مستقرة، تعني أن إسرائيل تريد نقل المواجهة من منطق الضربة مقابل الضربة في المكان نفسه إلى منطق أوسع يسمح لها باختيار ساحات الرد وفقاً لحساباتها العملياتية والسياسية. وبذلك يصبح أي نشاط عسكري في نقطة محددة قابلاً لاستدعاء رد في منطقة أخرى، وهو ما يرفع منسوب عدم اليقين لدى جميع الأطراف ويجعل هامش الاحتكاك أكثر اتساعاً.غير أن المسألة لا تتوقف عند مفهوم الردع. فاختيار مناطق مثل إقليم التفاح يكتسب وزناً إضافياً بسبب موقعها في الجغرافيا العسكرية للجنوب، الأمر الذي يجعل استهدافها قابلاً لقراءتين متوازيتين. القراءة الأولى ترى أن إسرائيل تحاول فرض قواعد اشتباك أكثر صرامة، من خلال إفهام خصمها بأن أي محاولة لتحريك الجبهة ستقابل بكلفة تتجاوز مكان النشاط نفسه. أما القراءة الثانية فتتعامل مع اتساع دائرة الاستهداف باعتباره مؤشراً إلى أن إسرائيل تختبر عملياً إمكانية الانتقال من عمليات محدودة ومركزة إلى نمط أوسع من النشاط العسكري. وبين القراءتين، يبقى العامل الحاسم هو ما إذا كان هذا التوسع سيبقى ضمن سقف محسوب أم سيتحول إلى مسار تصاعدي يصعب ضبطه.وتشير طبيعة العمليات البرية إلى أن التصعيد لا ينحصر في الرغبة في إحداث أثر ناري سريع، بل يتضمن محاولة لتغيير الواقع الميداني في بعض النقاط. فالتوغل في أطراف ميس الجبل بمرافقة الدبابات والجرافات، وإحراق منازل وتجريف منشآت زراعية، وتنفيذ عمليات تفجير، ثم التحرك في محاور أخرى وإجراء عمليات تمشيط، كلها أفعال تختلف في طبيعتها وأهدافها عن الغارات الجوية. فالضربة الجوية يمكن أن تكون رسالة محدودة زمنياً، بينما التوغل والتفجير والتجريف يتركان أثراً مادياً وميدانياً أكثر دواماً، ويعكسان استعداداً لتحمل كلفة عملياتية أكبر بهدف تحقيق تأثير يتجاوز اللحظة التي تنفذ فيها الضربة.كما أن الجمع بين القوة الجوية والقوة البرية والتمشيط المدفعي يحمل قيمة عملياتية بحد ذاته. إنه يخلق بيئة ضغط متعددة المستويات، تبدأ من الاستطلاع والمراقبة الجوية، وتمتد إلى القصف، ثم إلى الحركة البرية المباشرة، بما يسمح بإعادة اختبار طبيعة الانتشار والتحصينات ومسارات الحركة على الأرض. وعندما تتكرر هذه الأنماط في أكثر من قطاع، يصبح من الصعب النظر إليها باعتبارها حوادث منفصلة، إذ تبدو أقرب إلى نشاط عسكري متكامل يراد من خلاله إبقاء الجبهة الجنوبية تحت ضغط مستمر.وتزداد حساسية المشهد عندما تنتقل العمليات إلى مناطق مأهولة، كما حدث في عربصاليم، حيث أدى استهداف منزل إلى مقتل شابة وإصابة آخرين، فدخول الأهداف المدنية إلى دائرة النار يضاعف التداعيات الإنسانية والسياسية للتصعيد، ويجعل أي جولة عسكرية أكثر قابلية لإنتاج ردود فعل تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. كما أن سقوط ضحايا مدنيين يرفع منسوب الضغط الداخلي، ويضع الأطراف أمام معادلة أكثر تعقيداً، لأ