لا يعرف الرضيع معنى الاعتقال، ولا يفهم لماذا يغلق باب حديدي عليه وعلى أمه. كل ما يختبره أن عالمه الأول قد يقتصر على غرفة محروسة وممر وساحة تحدها الأسوار. في فلسطين والعراق ودول أخرى، يعيش أطفال داخل مؤسسات عقابية برفقة أمهاتهم، رغم أنهم لم يرتكبوا جرماً ولم ترد أسماؤهم في أي حكم قضائي. ومع ذلك، تمتد إليهم العقوبة عملياً، فيخضعون للقيود والتفتيش ومواعيد الحركة والزيارة. دانا جودة... ولادة في ظل الاعتقال أعادت قضية الأسيرة الفلسطينية دانا جودة، البالغة 35 عاما ومن بلدة عراق التايه بمحافظة نابلس، هذا الملف إلى الواجهة. وقالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين إن السلطات الإسرائيلية اعتقلتها وهي حامل، وحولتها إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر، وإنها أنجبت مولودتها في 14 سبتمبر/أيلول 2026 خلال وجودها رهن الاحتجاز في سجن الدامون. وحمّلت الهيئة السلطات الإسرائيلية وإدارة السجون المسؤولية عن حياة جودة وطفلتها، معتبرة أن استمرار احتجاز امرأة حامل من دون رعاية صحية كافية عرَّض الأم والجنين للخطر. وتحدثت معلومات أولية عن إخراج جودة من المستشفى برفقة مولودتها وتسليمهما عند حاجز عسكري. قصة جودة ليست الأولى، إذ يوثق مركز المعلومات الوطني الفلسطيني وفاة تسع أسيرات أنجبن أثناء الاحتجاز. تبدأ القائمة بزكية شموط، التي أنجبت ابنتها نادية عام 1972 في سجن نيفي ترتسيا، وبقيت الطفلة معها عاماً قبل فصلهما. وتشمل أيضاً ماجدة السلايمة، وأميمة الأغا، وعائشة الكرد، وسميحة حمدان، وميرفت طه، ومنال غانم، وسمر صبيح وفاطمة الزق. وتكشف هذه الوقائع معضلة لا يملك السجن حلاً إنسانياً لها، إبقاء الرضيع مع والدته يحمي رابطة أساسية في نموه، لكنه يضعه في مكان غير مهيأ للطفولة، أما فصله عنها فيخرجه من بيئة الاحتجاز، لكنه قد يسبب أذى نفسياً وعاطفياً عميقاً. ولهذا لا ينبغي أن يكون القرار آلياً، بل قائماً على تقييم فردي لمصلحة الطفل، مع تقديم البدائل غير الاحتجازية للحوامل والأمهات كلما أمكن ذلك. العراق... أطفال بين القضبان والوثائق وفي العراق، أعادت تقارير في سبتمبر/أيلول 2026 بشأن التحضير لنقل نحو 250 امرأة تركية من سجن الرصافة في بغداد إلى تركيا، طَرح مصير الأطفال المقيمين معهن. ويرتبط احتجاز عدد من النساء باتهامات متصلة بتنظيم داعش تعود إلى عام 2017. وكانت معلومات نقلت عن وزارة الخارجية التركية عام 2024 قد أشارت إلى إعادة نحو 500 طفل من بغداد. غير أن نقل الأطفال لا يتوقف على ترتيبات السفر، إذ تبرز مشكلات شهادات الميلاد والجنسية والنسب والوصاية، ولا سيما عندما يكون الأب الداعشي مفقوداً أو متوفى أو محتجزاً أو من جنسية أخرى. وبينما تمنح المادة السابعة من قانون الجنسية التركي، الجنسية منذ الميلاد للطفل المولود لأم أو أب تركي، قد يبقى إثبات هذا الحق معقداً عند فقدان الوثائق أو تعذر تسجيل الولادة. حقوق الطفل لا تتوقف عند باب السجن تقدر منظمة الإصلاح الجنائي الدولية أن نحو 19 ألف طفل يعيشون في السجون مع أحد والديهم، وغالباً مع الأم، مع احتمال أن يكون العدد الحقيقي أكبر بسبب نقص البيانات. وتصف اليونيسف هؤلاء الأطفال بأنهم محرومون من الحرية بحكم الواقع، مع أنهم لم يخالفوا القانون. وتجعل اتفاقية حقوق الطفل مصلحته الفضلى اعتباراً أساسياً في كل قرار يمسه، وتضمن حقه في التسجيل بعد الولادة والاسم والجنسية والرعاية، وتحظر فصله عن والديه إلا إذا قررت جهة مختصة أن ذلك ضروري لمصلحته. كما تحظر قواعد بانكوك تقييد المرأة أثناء المخاض والولادة وبعدها مباشرة، وتدعو إلى النظر في بدائل للاحتجاز عند التعامل مع الحوامل والأمهات. إن الطفل المولود أو المقيم خلف القضبان ليس امتداداً لملف أمه أو والده ولا جزءاً من عقوبتهما، بل إنسان مستقل الحقوق. والعدالة التي تسمح بأن تبدأ حياة بريء داخل السجن، أو تفصله عن أمه بلا تقييم حقيقي لمصلحته، لا تطبق حكماً عادلاً، بل تصنع ظلماً مضاعفاً.