أكّد رئيس الجمهورية جوزاف عون في الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في باريس، أنّ "صيغة الإطار الثّلاثيّ التي تم التّوصّل إليها مع إسرائيل برعاية الولايات المتّحدة الأميركيّة وبدعم من الدّول العربية والأوروبيّة الصّديقة، تهدف إلى إنهاء الحرب والانتقال نحو مرحلة جديدة". وقال: "من أصدقائنا وشركائنا نطلب موقفاً واضحاً: المساعدة على تنفيذ ما تم الاتّفاق عليه كاملاً، والتّعامل مع سيادة لبنان وسلامة أراضيه كمبدأ ثابت لا يخضع للانتقائيّة. اليوم، يتسع دور الجيش وتزداد أهميّة المهام الملقاة على عاتقه على امتداد الأراضي اللّبنانيّة، وبشكل خاصّ في الجنوب: • ففي الجنوب، عليه أن يعزّز حضور الدّولة، وأن يبسط سلطتها ويحمي الاستقرار، في ظل استمرار الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيليّة. • وعلى الحدود، عليه أن يواجه التّهريب وكل ما يهدّد أمن لبنان وسيادته. • وفي الدّاخل، عليه أن يحفظ الأمن والاستقرار، وأن يكافح الإرهاب والجريمة المنظّمة وتجارة المخدّرات، وأن يحمي المؤسّسات والبنى التّحتيّة الحيويّة. ومع التحوّلات المرتقبة في حضور اليونيفيل ودورها في الجنوب، تتفاقم مسؤوليّات الجيش وتزداد تعقيداً. هذا الانتقال يجب أن يكون منظّماً ومدروساً، وألا يؤدي إلى أي فراغ أمنيّ، بل إلى تعزيز حضور الدّولة ومؤسساتها على الأرض، وفي مقدمتها الجيش اللّبنانيّ. هذه المسؤوليّات المتزايدة ليست جديدة على الجيش. فعلى مدى السّنوات الماضية، تجاوز دوره مهامه العسكريّة التّقليديّة، فكان حاضراً في الحروب والأزمات والكوارث والطوارئ، وفي الإنقاذ والإغاثة وحماية المؤسّسات والمرافق الحيويّة، ومساندة المواطنين. لقد أمضيت سنوات طويلة في صفوفها وعشت مع ضبّاطها وعسكريّيها التّحدّيات والظروف الصّعبة، وشهدت عن قرب على تضحياتهم والتزامهم في خدمة وطنهم وشعبهم. والعالم يرى اليوم ما ينجزه الجيش رغم محدوديّة موارده. فما يحقّقه اليوم بالقليل، يستطيع أن يحقّق أضعافه إذا توفّرت له الإمكانات اللّازمة. لكن هذه المسؤوليّة لا تقع على عاتق الجيش وحده، فقوى الأمن الدّاخليّ تؤدّي دوراً أساسيّاً في حفظ الأمن، وتطبيق القانون، ومكافحة الجريمة، وحماية المواطنين والمؤسسات. فالجيش وقوى الأمن الدّاخليّ وباقي الأجهزة الأمنيّة يُؤدِّون أدواراً مختلفة ولكن متكاملة، ولا يمكن تعزيز سلطة الدّولة من دون مؤسّسات عسكريّة وأمنيّة قوية فاعلة وحاضرة على كامل الأراضي اللّبنانيّة. لقد أثبتت مؤسّساتنا العسكريّة والأمنية، رغم الأزمة القاسية الّتي انعكست على رواتب عناصرها وظروفهم المعيشيّة، قدرتها على الحفاظ على تماسكها وانضباطها، وعلى ثقة اللّبنانيّين بها. هذه المؤسّسات صمدت، ومهمّتنا اليوم أن نمكّنها من الانتقال من الصمود إلى بناء القدرات الّتي تتطلّبها المرحلة المقبلة. وتمكين هذه المؤسّسات مسؤوليّة لبنانيّة أوّلاً، لكنه يتطلّب أيضاً مواكبة ودعماً دوليّين. لبنان لا يأتي اليوم ليطلب من شركائه أن يتحمّلوا مسؤوليّاته عنه. نحن نتحمّل مسؤوليّتنا: في القرار السّياسيّ، في الإصلاحات الاقتصاديّة والماليّة، وفي إعادة بناء مؤسّسات الدّولة وتعزيز اجتماعنا اليوم هو اجتماع تحضيريّ، لكن المطلوب أن يقود إلى نتائج ملموسة. إن مسار العقبة يوفر لنا إطاراً مهمّاً لجمع الشّركاء، وتنسيق الجهود، وتحديد الاحتياجات والأولويّات بصورة مشتركة. يقف لبنان اليوم أمام فرصة حقيقيّة لتغيير مسار عقود من عدم الاستقرار، وجعل السلام والأمن خياراً دائماً لا مجرّد هدنة بين حربين. واختاروا أن تكون حماية لبنان وسيادته واستقراره مسؤوليّة مؤسّسات الدّولة العسكريّة والأمنية دون سواها. ولم نكتفِ بالكلام، بل بدأنا بالفعل باتخاذ القرارات الصّعبة وتنفيذها على الأرض. واليوم، نطالب أصدقائنا وشركائنا بمواكبة هذا الخيار. فما نطلبه منكم ليس دعماً لمؤسسة فحسب، بل استثماراً في نجاح الدّولة اللّبنانيّة وفي استقرار المنطقة. فكما أن نجاح لبنان لن تبقى نتائجه داخل حدوده، فإنّ تداعيات سقوطه أيضاً لن تبقى داخل حدوده. إذا لم ننجح معاً في اغتنام هذه الفرصة اليوم، قد لا تتاح لنا الفرصة نفسها غداً.