صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب مسألة الهوية (248 صفحة)، للمفكر العربي عزمي بشارة؛ وهو دراسة نظرية تسعى إلى ضبط مفهوم الهوية وتحديد مجاله الدلالي وفاعليته التفسيرية في العلوم الاجتماعية، في ظل اتساع استخدام المصطلح في السياسة والإعلام والأدب والحياة اليومية، وتحميله دلالات متباينة قد تتحول إلى مصدر إرباك في تفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية. لا يخصُّ الكتاب بالدراسة هوية بعينها، وإن كان يستعين بنماذج توضيحية حين يقتضي التحليل ذلك، ويفرد في نهايته فصلًا لملاحظات بخصوص الهوية العربية. وينطلق بشارة من ضرورة التمييز بين الهوية بوصفها مفهومًا تحليليًا، وبين الاستخدامات الدارجة للمصطلح. ويبحث في العلاقة بين الفرد والجماعة والانتماء، والهوية الفردية والجماعية، والأخلاق والكرامة، ثمّ يميّز بين الهوية والأيديولوجيا الهوياتية وسياسات الهوية. وكان بشارة قد نشر في دورية تبيّن، في العدد 41 (صيف 2022)، دراسة مطولة بعنوان "تأملات في مسألة الهوية"، وهي تأملات أولية في عدد من الإشكاليات، التي يتجاوزها الكتاب من حيث الفرضيات والموضوعات والاستنتاجات، ويمثل توسيعًا لها، ويعيد بناءها وتطويرها ضمن معالجة نظرية متكاملة. الهوية: من المصطلح الرائج إلى المفهوم التحليلي ينطلق الكتاب من ملاحظة شيوع مصطلح الهوية في السياسة والإعلام والحياة اليومية؛ إذ يُستخدم للدلالة على خصائص الفرد وانتماءاته، ويُنسب مجازًا إلى المجتمع والدولة والثقافة، وتنتشر تعبيرات من قبيل "هوية الدولة" و"صراع الهويات" و"أزمة الهوية". ولا يعترض المؤلف على مشروعية هذه الاستخدامات في مجالها التداولي، لكنه يميّزها من الاستخدام العلمي، ويتساءل إن كان هذا المصطلح، المثقل بالدلالات، قادرًا على تأدية وظيفة مفهوم تحليلي في العلوم الاجتماعية. لذلك، لا يتجه الكتاب إلى التخلي عن مفهوم الهوية بسبب غموضه، وإنما يضبطه ويحدّد مجال استخدامه. ويعرّف بشارة الهوية، في صياغة أولية، بأنها خصائص الفرد التي يعيها ويعدّها مشكِّلة لشخصيته، بحيث تتضمن انتماءً عاطفيًا مدركًا إلى جماعة صغيرة أو كبيرة؛ تبدأ من العائلة بوصفها جماعة مباشرة وصولًا إلى الشعب بوصفه جماعة متخيّلة. وقد يحمل الفرد أكثر من انتماء، ويمكن التعبير عن هذه الانتماءات بصيغة "نحن". بهذا المعنى، يصلُ المفهوم منذ البداية بين ما يسمى الهوية الفردية والهوية الجماعية. ويشدّد بشارة على أن التعريف والتصنيف ليسا عمليتين محايدتين بالضرورة؛ فالتصنيفات قد تتضمن مواقف ومصالح وآراء مسبقة وانحيازات ومطالب بالاعتراف أو تحديًا لعدم الاعتراف. ولا تكون نسبة الهوية إلى الدولة أو المجتمع، وفق هذا التعريف، إلا استخدامًا مجازيًا ما لم يكن المقصود وعيَ الأفراد بانتمائهم وإدخالهم إياه في تعريفهم لذواتهم. الهوية بين الفرد والجماعة والانتماء يحتل مفهوم الانتماء موقعًا مركزيًا في البناء النظري للكتاب؛ فالهوية لا تختزل في صفة يحملها الفرد أو في الفئة التي يصنَّفُ ضمنها، وإنما تتشكل عندما يصبح الانتماء إلى جماعة عنصرًا واعيًا في فهم الإنسان لذاته. لذلك لا يفصل بشارة بين الهوية الفردية والهوية الجماعية على نحو حادٍ، وإنما يتعامل معهما بوصفهما وجهين لمسألة واحدة؛ إذ لا توجد هوية جماعية محضة، ولا هوية فردية قائمة بذاتها، وإنما تتشكل الذات في علاقة متبادلة مع الآخرين والجماعات التي ينتمي الفرد إليها. ويتتبع الكتاب انتقال لفظ الهوية من دلالته المرتبطة بمبدأ التساوي أو التطابق مع الذات في المنطق الشكلي إلى دلالاته الحديثة المتعلقة بالفرد والجماعة. ويربط بروز مسألة الهوية بالحداثة وظهور الفرد الواعي بفرديته والقادر على التفكير في ذاته وانتماءاته المختلفة. فالهوية تتوسط العلاقة بين "أنا" و"نحن"، ولا تصبح الانتماءات مسألة هوية إلا حين يفكر الفرد فيها ويدرك أهميتها في تعريفه لذاته. ويعرض الكتاب الروافد النظرية التي أسهمت في تطوّر دراسة الهوية في الفلسفة وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع، ويخصُّ منها إسهامات أبرز منظريها، في سياق بناء مفهوم يسمح بفهم العلاقة بين الفرد والجماعة والوعي بالانتماء. هل كون الهوية "مصنوعة" يجعلها وهمًا؟ يناقش بشارة الاعتراضات التي وجّهها باحثون، من بينهم روجرز بروبيكر وفريدريك كوبر وسينيشا ميلاسيڤتش، إلى مفهوم الهوية بسبب اتساع دلالاته وغموض حدوده وقدرته على طمس الفوارق بين ظواهر مختلفة. ويقر بوجاهة جانبٍ من هذه الاعتراضات، لا سيما حين تتحول الهوية إلى تفسير شامل لقضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية مركبة. ومع ذلك، يرى أهمية تحديد المفهوم، لا الاستغناء عنه؛ فالمؤلف يرفض الانتقال من القول إن الهويات مبنية اجتماعيًا وتاريخيًا ومتغيرة، إلى استنتاج أنها مجرّد أوهام. فكون ظاهرة اجتماعية مصنوعة أو مركبة لا يلغي واقعيتها ولا أثرها في حيا