رافق سقوط نظام بشار الأسد في سوريا توقع بعودة واسعة للاجئين السوريين من الأردن إلى بلادهم، لكن قرار العودة بقي محكوماً بحسابات السكن والعمل والأمن والخدمات. ويقول عدد من اللاجئين لـ"النهار" إن هذه العوامل تدفعهم إلى مزيد من الانتظار، رغم التسهيلات والمساعدات المالية المقدمة للراغبين في العودة. ووفق أرقام وزارة الداخلية الأردنية، عاد 231,720 من اللاجئين السوريين من الأردن إلى بلادهم للاستقرار فيها، منذ سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى 12 أيلول/سبتمبر الجاري. ويبلغ عدد السوريين الموجودين في المملكة نحو مليون شخص، فيما وصل عدد المواليد السوريين في الأردن منذ بدء موجات اللجوء عام 2011 وحتى نهاية آب/أغسطس الماضي إلى 272,246 مولوداً. الاستقرار في الأردن يثقل قرار العودة رؤوف سالم (52 عاماً)، الذي لجأ مع أسرته إلى مدينة الرمثا شمالي الأردن عام 2013، يقول إن الأسرة المكونة من ثمانية أفراد منقسمة بين من يدفع باتجاه العودة إلى سوريا ومن يفضّل التأني. وهو يميل إلى الانتظار، لأسباب تتعلق بعدم امتلاكه منزلاً في بلاده بعدما اضطر إلى بيعه عام 2017، إلى جانب خشيته من صعوبة إيجاد مصدر دخل هناك. ويضيف أن من بين الأسباب الأخرى رغبته في البقاء إلى جانب اثنتين من بناته بعد زواجهما من أردنيين واستقرارهما في المملكة، إضافة إلى استقرار أحد أبنائه في عمله بمهنة الحلاقة، فيما لا يزال الباقون على مقاعد الدراسة. أما شادي رسلان (25 عاماً)، الذي يعمل في أحد مصانع الألبسة، فيقول إنه يخشى الالتحاق بصفوف المتعطلين عن العمل إذا عاد إلى منطقته في محافظة حمص، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن خطيبته وعائلتها قرروا البقاء في الأردن وعدم العودة في هذه المرحلة إلى سوريا لأسباب خاصة بهم. ويتابع رسلان أن "الأوضاع الأمنية في سوريا وإن شهدت تحسناً تدريجياً منذ سقوط النظام السابق، إلا أنها لا تزال مهزوزة وغير مطمئنة بشكل كاف"، متطرقاً كذلك إلى "تدني جودة الخدمات الأساسية والعامة في بلاده وارتفاع كلف المعيشة". مشهد من مخيم الزعتري للاجئين السوريين في محافظة المفرق الأردنية (أرشيفية) من جهتها، تتمنى أم خالد، العاملة في مجال صناعة المأكولات، العودة إلى سوريا، لكنها تؤكد أن زوجها يرفض ذلك بحجة الخوف مما يخبئه المستقبل هناك، بعدما بنوا لأنفسهم حالة من الاستقرار في الأردن. وتشير كذلك إلى أن أبناءهم، الذين خرجوا أطفالاً من محافظة حماة وصاروا اليوم شباباً، اعتادوا الحياة في محافظة المفرق شمال شرقي المملكة ولا يرغبون في العودة. وتؤكد أن الكثير من السوريين في الأردن يعيشون أوضاعاً غير مستقرة، لكنهم يفضلون البقاء على الذهاب إلى مستقبل مجهول قد يكون أكثر صعوبة، لا سيما بالنسبة لمن يمتلكون منازل أو أعمالاً. ومطلع الشهر الجاري، وسّعت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن نطاق برنامج المساعدة النقدية للعودة الطوعية إلى سوريا ليشمل اللاجئين المقيمين في المخيمات وخارجها. ويتيح البرنامج لكل لاجئ مسجل وعائد الحصول على 70 ديناراً أردنياً (نحو 99 دولاراً) لمرة واحدة، لتغطية نفقات العودة الفورية مثل المواصلات واستخراج الوثائق والأدوية. كما تحصل بعض الأسر المصنفة ضمن الفئات الأكثر هشاشة على مساعدة إضافية لمرة واحدة تبلغ 210 دنانير (نحو 296 دولاراً) للأسرة، إلى جانب المبلغ المخصص لكل فرد. ويشمل الدعم الإضافي الأسر التي تضم أشخاصاً من ذوي الإعاقة أو حالات صحية خطيرة، إضافة إلى الأسر التي تضم آباء أو مقدمي رعاية عازبين، أو ثمانية أفراد فأكثر، ممن يحملون وثائق لجوء سارية ويختارون العودة إلى سوريا. السكن والعمل في صدارة التحديات وفي رده على استفسارات "النهار"، يقول الناطق باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن يوسف طه إن عدد اللاجئين السوريين المسجلين لدى المفوضية في الأردن كان قبل التطورات السياسية في سوريا في كانون الأول/ديسمبر 2024 يقارب 590 ألف لاجئ. ومع تزايد وتيرة العودة الطوعية إلى سوريا منذ ذلك التاريخ، انخفض العدد تدريجياً ليبلغ حالياً نحو 343 ألف لاجئ حتى نهاية آب 2026، مع عودة أكثر من 230 ألف لاجئ. وبشأن أبرز التحديات التي ما تزال تؤثر على وتيرة العودة، يشير طه إلى قلة توفر المساكن في سوريا وصعوبة الحصول على سكن ملائم أو إعادة تأهيل المنازل المتضررة، بالإضافة إلى محدودية فرص العمل ومصادر الدخل، والنقص في الخدمات الأساسية والبنية التحتية في بعض المناطق. أما بخصوص ما ينبغي فعله لتعزيز العودة المستدامة، فيرى أن هناك حاجة إلى مزيد من الاستثمار في إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية وخلق فرص اقتصادية داخل سوريا، بما يساعد العائدين على إعادة بناء حياتهم بكرامة وأمان. ويؤكد طه أن "التجربة أظهرت أن الدعم المالي يمكن