لا نعرف اللحظة التي يبدأ فيها التغيير؛ لا نستيقظ ذات صباح فنسمع طفولتنا تغادر، ولا ننتبه إلى اليوم الذي تصبح فيه أصوات أهلنا أكثر تعبًا، أو إلى الساعة التي نتوقف فيها عن الإمساك بأيدي أبنائنا لنعبر بهم الطريق. تحدث الأشياء بهدوء؛ يكبر الصغار، تتعب خُطى الكبار، تتبدّل الوجوه، وتظهر شعرةٌ بيضاء لم تستأذننا في الحضور؛ نواصل أيامنا كأن شيئًا لم يتغيّر، إلى أن تفاجئنا المرآة بصورةٍ نعرفها جيدًا، ولا نعرف متى أصبحت لنا. الغريب أننا كنّا حاضرين طوال الوقت؛ عشنا كل يوم، وعبرنا كل ساعة، ومع ذلك لا نعرف كيف حدث كل هذا التغيير من دون أن نراه. ما هذا العابر الذي لا نستطيع الإمساك به، ولا نستطيع الخروج من طريقه؟ وهل يأخذ منّا فقط، أم أنه يترك فينا أيضًا ما لم نكن قادرين على امتلاكه في البدايات؟ ربما لا تبدأ حكايتنا مع الزمن عندما نشعر أنه يمضي، بل عندما نكتشف أنه كان، طوال الوقت، يمرّ من خلالنا. نستعمل كلمتَي الوقت والزمن كأنهما عنوانان لشيءٍ واحد؛ نقول إن الوقت مرّ، وإن الزمن مضى، ولا نتوقف كثيرًا عند المسافة الخفية بينهما؛ هذه المسافة بالذات هي التي ستقود رحلتنا. الوقت هو ما نستطيع تحديده داخل حياتنا؛ موعدٌ يبدأ، ومهلةٌ تنتهي، وساعةٌ نقسّمها، ويومٌ نملؤه أو نهدره؛ نستطيع أن نصل في الوقت، أو نتأخر عنه، وأن نمنحه لعملٍ أو لإنسان، وأن ننظر إلى الساعة فنعرف كم بقي منه. أما الزمن فلا يظهر على عقارب الساعة؛ الساعة تستطيع أن تخبرنا أن عشرين عامًا مرّت، لكنها لا تستطيع أن تقول ماذا صنعت هذه الأعوام في وجوهنا وأجسادنا وأرواحنا، ولا لماذا عبرت سريعًا في حياة إنسان، وبدت ثقيلةً في حياة آخر. الوقت محدود داخل الزمن؛ نقتطع منه دقائق وساعات وأيامًا كي نستطيع تنظيم حياتنا، كما نرسم خطوطًا على البحر لنعرف أين نحن، من دون أن تصبح تلك الخطوط جزءًا من البحر. نستطيع أن نقيس الوقت، لكننا لا نستطيع أن نحيط بالزمن؛ فالوقت مقدارٌ نعدّه، أمّا الزمن فعبورٌ نعيشه. يتعامل الوقت مع الدقائق كأنها متساوية؛ تمنح كل واحدةٍ منها ستين ثانية، ثم تمضي إلى التي تليها من دون أن تميّز بين لحظةٍ وأخرى؛ لكن الإنسان لا يعيشها بهذه المساواة. دقيقةٌ أمام باب غرفة العمليات ليست كدقيقةٍ في حضن مَن نحب؛ وساعةٌ ينتظر فيها الإنسان خبرًا قد تبدو أطول من يوم، فيما تمرّ أمسيةٌ من الفرح كأنها لم تبدأ؛ الوقت في الحالتين واحد، لكن الزمن الذي عشناه داخله مختلف. لهذا ميّز هنري برغسون (Henri Bergson) بين الوقت الذي تقيسه الساعة، والمدة التي يختبرها الوعي. الزمن الذي نعيشه في داخلنا لا يتكوّن من وحداتٍ متطابقة مصطفّة بعضها بعد بعض، بل من حالاتٍ تتداخل فيها مشاعرنا وتغيّر إحساسنا بالمرور. لا تكذب الساعة حين تقول إن ستين دقيقةً مضت؛ لكنها لا تعرف إن كنّا خلالها نحب، أو نتألم، أو ننتظر، أو نضيع؛ إنها تقيس طول الوقت، لا ثقله؛ تحصي اللحظات، لكنها لا تستطيع أن تزن ما وضعته الحياة فيها. فالوقت يتساوى في حساب الدقائق، لكنه لا يتساوى في القلوب. نقسّم الوقت إلى ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل، كأننا نضع علاماتٍ واضحة على طريق الزمن؛ لكن الزمن نفسه لا يتوقف عند هذه الحدود، ولا ينتقل بينها كما تنتقل عقارب الساعة من رقمٍ إلى آخر. ما عبرناه نسمّيه ماضيًا، وما نعيشه نسمّيه حاضرًا، وما لم يصل إلينا بعد نسمّيه مستقبلًا؛ إنها أسماءٌ نحتاج إليها كي نعرف موقعنا من العبور، لا أقسامٌ يقيم الزمن داخلها. وقد وقف القديس أوغسطينوس (Saint Augustine) أمام هذه الحيرة: الماضي لم يعد موجودًا، والمستقبل لم يأتِ بعد، أمّا الحاضر فما إن نحاول الإمساك به حتى يكون قد بدأ بالانقضاء. ومع ذلك، لا نعيش خارج هذه الثلاثة؛ فنحن دائمًا بين شيءٍ غادر، وشيءٍ يحدث، وشيءٍ ننتظره. ربما لهذا يصعب علينا أن نعيش اللحظة؛ فما إن تصل حتى نقارنها بما مضى أو نحملها إلى ما سيأتي، فنعبر الحاضر من دون أن نمنحه حضورنا كاملًا. أمّا الزمن فلا يعرف الأمس واليوم والغد؛ نحن الذين نمنح مروره أسماءً كي نستطيع العيش داخله. يخبرنا الوقت أننا تقدّمنا في العمر؛ نرى عدده في السنوات، وأثره في شعرٍ غزاه الشيب، ووجهٍ خطّته التجاعيد، وخطوةٍ لم تعد بالسرعة نفسها؛ لكن الزمن يكشف شيئًا أكثر غرابة: أن الإنسان لا يشيخ كلّه بالوتيرة ذاتها. قد يشيب الشعر، فيما تبقى الروح قادرةً على الفرح كأنها في بداياتها؛ وقد تذبل العينان، لكنهما تبرقان كلما رأتا وجهًا تحبّانه؛ وقد تتعب الخطوة، فيما يبقى القلب مستعدًا للركض نحو مَن ينتظره؛ يكبر الجسد وفق توقيتٍ لا يستطيع الإفلات منه، لكن في داخل الإنسان شيءٌ لا يُقاس بالعدد. وقد يحدث العكس؛ يكون الجسد شابًا، فيما تكون الروح قد فقدت دهشتها، والعينان لم تتجعّدا بعد، لكنهما لم تعودا تريان جمالًا يستحق التوقف؛ فليست الشيخوخة دائمًا ما يفع