ليومين كاملين، انعقد مجلس النواب اللبناني ليستجوب الحكومة. الاستجواب المسرحي في جلساته الطويلة تكلم فيه الجميع تقريباً، ثم عاد كل واحد منهم إلى موقعه، وكأن شيئاً لم يحدث، أو كأن كلماتهم ألفاظ بلا معنى ومجانية. ترتفع الأصوات، تتبادل الكتل الاتهامات، يُستعاد قاموس الحرب والسلاح والسيادة، ويخرج المواطن من المشهد بالسؤال نفسه: ماذا هذا الهرج؟ في هذا المسرح، حيث يمكن لنواب حزب الله أن يمثّلوا دور من يتكلم عكس ما يفعل، أو أن "يعارض" جبران باسيل كأنه شاب غاضب من شباب 17 تشرين، بدا نواف سلام مختلفاً في طريقة حضوره. لم يدخل إلى القاعة ليخوض معركة شخصية مع هكذا نواب، ولم يحاول أن يربح التصفيق عبر توزيع الاتهامات. اختار أن يتكلم من موقع المسؤولية، مستنداً إلى الوقائع والأرقام، واضعاً أداء حكومته في سياق بلد يعيش حرباً وأزمة مالية متراكمة ودولة مثقلة بإرث سياسي وإداري طويل. ليس هذا إعفاءً للحكومة من المساءلة. بل العكس تماماً. فمساءلة الحكومة تصبح أكثر جدية حين تُناقش خياراتها ونتائجها، لا حين تتحول إلى مباراة في الصراخ الكاذب. ونقول "صراخاً كاذباً" لأن بعض الذين رفعوا لواء المحاسبة بدوا أكثر انشغالاً بتسجيل حضورهم أمام جمهورهم من مساءلة أنفسهم عن السنوات التي أمضوها في السلطة أو بالقرب منها، واقترفوا أفعالاً جعلت لبنان "جهنماً". وفي ظنهم أن للبنانيين ذاكرة سمكة. كان سلام واضحاً كوضوح كل القرارات الدولية والمبادرات التي قُدمت منذ العام 2016 وحتى اليوم: الدولة لا تستطيع أن تكون دولة في الاقتصاد، وشبكة مصالح في الإدارة، وواجهة للتفاوض، فيما يبقى قرار الحرب والسلم موزعاً خارج مؤسساتها. حصر السلاح بيد الدولة، وتمكين الجيش، واستعادة القرار السيادي، ليست شعارات اخترعتها الحكومة لتغطية عجزها. إنها أسئلة تأسيسية لا يمكن تجاوزها أو التحايل عليها، على نحو ما فعل حزب الله منذ المبادرة الفرنسية سنة 2020 إلى "اتفاق وقف إطلاق النار" 2024. الذين يعترضون على التفاوض، من حقهم أن يسألوا عن شروطه وحدوده ونتائجه. لكن السؤال الذي طرحه سلام يستحق أن يبقى في صلب أي سجال: ما البديل الذي يوقف الاعتداءات ويعيد الأرض والأسرى والمهجّرين بكلفة أقل على اللبنانيين؟ الاعتراض وحده لا يصنع استراتيجية، كما أن رفع سقف الخطاب لا يعيد قرية إلى أهلها. لم يدّعِ رئيس الحكومة أن المفاوضات حققت أهدافها. أقرّ بأن الاعتداءات مستمرة، وأن الانسحاب الإسرائيلي لم يكتمل، وأن عودة الأهالي لم تتحقق. هذه الصراحة، في حد ذاتها، أكثر جدوى من صناعة انتصار لفظي فوق خرائط الجنوب المدمّرة. وفي الملفات الداخلية، من الكهرباء إلى الاتصالات والتعيينات، حاول سلام أن يعيد النقاش إلى أصل المشكلة: كيف راكمت الدولة هذا العجز؟ ومن حوّل الوظائف العامة إلى حصص؟ ومن سمح للشبكات غير الشرعية بأن تتمدد؟ قد لا تكفي الإجابات السياسية وحدها، لكن تجاهل هذه الأسئلة ليس محاسبة، بل افتراء وفجور. نالت الحكومة 68 صوتاً مقابل 12، وخرج نواب حزب الله قبل التصويت، فيما صوّتت حركة أمل لمصلحتها. قد يكون ذلك الأكثر تعبيراً عن مأزق ما يسمى "معارضة". للذين أرادوا محاسبة نواف سلام يمكن ببساطة أن نقول لهم: بعد عشرين عاماً من من التحكم بكل شيء، أمناً وقضاء وحدوداً ومرافئ ومطارات وسياسات خارجية وداخلية وكهرباء وحروباً خارجية واغتيالات وترهيباً يومياً، وقوانين غب الطلب وتشكيل حكومات، و"تعيين" رؤساء جمهورية، وتسلط على الإدارات والوزارات والجامعة اللبنانية والجمارك، ومصانع الكبتاغون وتبييض الأموال وتهريب الأسلحة والبشر والمخدرات، والتلويح بالحرب الأهلية صبحاً ومساء... بعد عشرين عاماً من التخريب والموت، حان وقت المحاسبة. لقد قتلم الحلم عشرين مرة، وقتلم البلد عشرين مرة.