صدرت حديثاً عن "محترف أوكسجين للنشر" في أونتاريو نوفيلا جديدة بعنوان "طيران على مستوى منخفض" للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي. قصةُ الكتاب تستند إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها. تستهل ثناء عطوي هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: "نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها". وليطفو سؤال ملحٌّ إلى السطحِ: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربّما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم. ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب "لماذا أنت هنا؟" تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: "إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟" والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: "وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟" من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: "أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدونة على الصواريخ أن تتحول إلى أغانٍ؟ أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجةً المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط "غوغل"، ومحظوظٌ هو من وجد مدوِّناً لحكايته". يتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، وهي أشبه بمنشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها. في أعمال يونغ لا تَنسى البلدانُ من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة. في عملها الجديد تقدّم لنا ثناء عطوي هنا نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحفي والفن التشكيلي والموسيقى التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك... يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة. من الفصل التاسع "متساوون بالموسيقى" نقرأ: "يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع. يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم، عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة". "طيران على مستوى منخفض" نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة اللبنانية ثناء عطوي في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغمُ فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، خالقةً مساحتها الخاصّة وعناصرها الأدبية والفنّية في تفكيك شيفرات الحرب، والانتصار للإنسان في أكثر مآسيه تراجيديةً. وثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: "تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين"، و"وسواس" سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان "الأسرى المحررون من أوهام الواقع". نالت العديد من الأوسمة والتكريمات العربية، تقديراً لدورها في تغطية الأحداث الأكثر سخونة في العالم العربي، وخصوصاً الحروب الإسرائيلية على لبنان.