لم تكن الاحتجاجات في سوريا على مدى اليومين الماضيين مجرد رد فعل على رفع أسعار المشتقات النفطية فقط، إنما عكست وفق محللين، احتقاناً شعبياً تراكم على مدار أشهر، تجاوز مرحلة الاعتراض ليلامس واقع أزمة الثقة بين الشارع والحكومة، والتي من الممكن أن تتطور في مطالبها لتطاول كبار المسؤولين في السلطة. وشهدت محافظات سورية بينها إدلب وحماة وحلب، احتجاجات رافضة لقرار وزارة الطاقة في الحكومة رفع أسعار المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين 20 و40 في المئة، تخللتها مطالبات بإقالة وزير الطاقة محمد البشير. كما قطع المتظاهرون عدداً من الطرقات بينها الطريق الدولي "إم-5" في محافظة إدلب، وأشعلوا الإطارات مع إضرابات جزئية في قطاع النقل وقطع طرق بالإطارات المشتعلة، ومنع مرور صهاريج النفط في بعض المحاور أبرزها في طريق حقل العمر النفطي. ويرى المحلل السياسي السوري فراس علاوي أن اندلاع التظاهرات يعود في جوهره إلى أسباب تراكمية، في مقدمتها عدم قدرة الحكومة على إيصال الصورة بشفافية، إضافة لصدم الشارع بوعود حول انفراجات وعقود قادمة لم يتحقق منها شيء على الأرض. ويقول علاوي لـ"المدن": "إيهام المواطنين بقرب الانفراج من دون شفافية جعل الشارع يصطدم بالواقع، بينما يفتح غياب الاستراتيجية الحكومية الباب واسعاً أمام الشائعات والتخبط". ويحذّر علاوي، المنحدر من محافظة ديرالزور التي سجلت عدداً من نقاط التظاهر على القرار الحكومي، من خطورة الاعتماد على "صناع المحتوى والمؤثرين" للتغطية على الاحتقان الحاصل، و"تلميع الموقف" لأنه "يعمق الفجوة مع المواطن"، مشدداً على أن التهدئة تتطلب مبادرة حكومية شجاعة تعتمد المصارحة وتحدث تغييرات جذرية. من جهته، يلفت الباحث والمحلل السياسي درويش خليفة إلى أن الحراك الأخير يحمل رسالة واضحة بـ"تآكل شعبية السلطة الحالية"، موضحاً أن رفع العقوبات واستعادة سوريا لموقعها الدولي لم ينعكسا إيجاباً على حياة المواطنين، إذ تراجعت أوضاعهم المعيشية بالتوازي مع استمرار مظاهر الترف الحكومي والمواكب المرافقة للمسؤولين في الأنشطة العادية. ودفعت تلك التطورات مجلس الشعب السوري إلى استدعاء البشير إلى جلسة استماع، الخميس المقبل، بناءً على طلب رئيس لجنة الطاقة النائب إقبال محمد منصور، لـ"مناقشة نشرة أسعار المشتقات النفطية". وقال المجلس في بيان، إن جلسة الاستماع ستعقد يوم الخميس المقبل، لـ"الاستماع إلى إيضاحات الوزارة بشأن أسباب ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، والظروف والاعتبارات التي رافقت إصدار النشرة الجديدة". وواقع الحال، بحسب كثيرين، أن على السلطة السورية تلقف رسائل الشارع التي تُظهر أن السوريين لم يعودوا يمتلكون ترف الانتظار، في مقابل الوعود، والانتقال بدلاً عن ذلك إلى أفعال ملموسة لاستعادة الثقة. ويرى خليفة في حديث لـ"المدن" أن الاستمرار في اتخاذ قرارات غير مدروسة سيؤدي إلى اتساع نطاق المطالب الشعبية، مضيفاً أن المطالب التي اقتصرت في بعض المناطق على إقالة مسؤولين محليين أو وزراء، قد تتطور لتطاول قيادات أعلى في السلطة. ويشدد على ضرورة اعتماد نموذج واضح لإدارة البلاد يقوم على الاستعانة بالكفاءات وأصحاب الاختصاص في الوزارات والبلديات، والتخلي عن مواكب المسؤولين ليشعر المواطن السوري بتشاركية المعاناة، مطالباً السلطات السورية بالتواصل الفعال مع المنظمات الدولية والجهات المانحة، إضافة إلى الدعوة لعقد مؤتمر دولي لإغاثة سوريا وإعادة إعمارها، لمواجهة الكارثة الإنسانية المتصاعدة في ظل أزمات المنطقة. ويؤكد خليفة فأن سوريا لا تزال تعاني من آثار كارثة إنسانية واقتصادية عميقة، وتحتاج إلى دعم دولي حقيقي يساعدها على تجاوز هذه المرحلة الصعبة. من جهته، يدعو علاوي إلى إعادة تشكيل الحكومة بوجود رئيس وزراء لمنع حالة التشظي، إضافة إلى تعيين ناطق رسمي باسم رئاسة الجمهورية لضمان الشفافية والمساءلة.