تتقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بوتيرة تبدو أسرع من قدرة المجتمعات وأسواق العمل والحكومات على مواكبتها. ويثير هذا التحول مخاوف من أن تتحول مكاسب التكنولوجيا إلى مصدر جديد للبطالة وعدم المساواة واتساع فجوة العدالة الاجتماعية في العالم. ويعكس التحذير الأخير الذي أطلقه بيل غيتس، أحد مؤسسي "مايكروسوفت"، تحولاً لافتاً في خطاب أحد أبرز المتفائلين بالتكنولوجيا. ففي مقالة طويلة، حذّر من أن الذكاء الاصطناعي يتقدم بوتيرة أسرع من استعداد الحكومات والمجتمعات للتعامل مع تداعياته، مشيراً إلى أن هذه الثورة قد تعيد رسم خريطة الوظائف، وتفتح الباب أمام مخاطر سيبرانية وبيولوجية، وتزيد احتمال تطوير أنظمة تزداد صعوبة مراقبتها والتحكم في سلوكها. ولا يتبنى غيتس نظرة متشائمة بالكامل، فهو لا يزال يرى في الذكاء الاصطناعي فرصة لتحسين الصحة والتعليم والإنتاجية. لكنه يحذر من أن هذه المكاسب لن تتوزع تلقائياً بعدالة، وأن غياب السياسات المناسبة قد يجعل التكنولوجيا مصدراً جديداً للاضطراب والتفاوت. وغيتس ليس الصوت الوحيد الذي يطلق التحذيرات. فمن مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسات المالية الدولية، ومنظمات الأمم المتحدة إلى قادة سياسيين ودينيين، يتسع القلق من فجوة قد تصبح الأخطر في المرحلة المقبلة: الفجوة بين سرعة تطور التكنولوجيا وسرعة قدرة الإنسان والدولة على التكيّف معها. أدت الثورة الصناعية الأولى، مع انتشار المصانع والآلات في القرن الثامن عشر، إلى تراجع مهن تقليدية وظهور وظائف جديدة، مثل عمال المصانع ومشغلي الآلات والمهندسين والعاملين في السكك الحديدية. واليوم تعيد ثورة الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل بطريقة مشابهة، فتتراجع بعض المهام الروتينية، في مقابل ظهور وظائف جديدة مثل مهندسي الذكاء الاصطناعي وعلماء البيانات ومطوّري الأنظمة الذكيّة. لكن ثورة الذكاء الاصطناعي تختلف عن التحولات الصناعية السابقة في عامل أساسي هو السرعة. فقد امتدت التحولات الاقتصادية الماضية على مدى عقود وأجيال، ما أتاح وقتاً أطول لظهور قطاعات ووظائف جديدة. أما الذكاء الاصطناعي، فلا يستهدف العمل اليدوي وحده، بل يدخل سريعاً إلى المكاتب والمصانع والبرمجة والقانون والطب وخدمة العملاء والإعلام والمؤسسات الحكومية. ولذلك، يدعو غيتس إلى التفكير في إجراءات كانت تبدو حتى وقت قريب غير تقليدية، مثل تخصيص بعض الوظائف للبشر، ولا سيما تلك التي تقوم على التعاطف والعلاقات الإنسانية، أو فرض ضرائب مرتبطة باستخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي، بما يساعد في تمويل الانتقال الاقتصادي وحماية المتضررين من الأتمتة. ويرى غيتس أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يكون أكبر من تأثير معظم التحولات التكنولوجية السابقة، لأنه سيطال وظائف ذوي الياقات البيضاء والزرقاء معاً، فضلاً عن إدخال مخاطر إلكترونية وبيولوجية جديدة، واحتمال تطوير أنظمة تزداد صعوبة مراقبتها والتحكم في سلوكها. وتتقاطع هذه المخاوف مع تحذيرات المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، التي أشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في نحو 40% من الوظائف حول العالم، وترتفع النسبة إلى نحو 60% في الاقتصادات المتقدمة. وترى جورجيفا أن التكنولوجيا يمكن أن ترفع الإنتاجية والدخول، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى إزاحة بعض الوظائف وتوسيع فجوة عدم المساواة، إن لم ترافقها سياسات للتدريب والحماية الاجتماعية. لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فبحسب تقييم نشرته منظمة العمل الدولية في أيار/مايو 2025، يعمل واحد من كل أربعة عمال في العالم في مهنة تتعرض بدرجة ما للذكاء الاصطناعي التوليدي. ومع ذلك، تبقى النتيجة الأكثر ترجيحاً في كثير من الحالات هي تحول الوظائف، لا اختفاءها بالكامل. وتحذر المنظمة في الوقت نفسه من أن هذا التحول لن يكون متساوياً بين القطاعات والدول والفئات الاجتماعية. فالتعرّض للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة فقدان الوظيفة، لكنه قد يؤدي إلى تغيير طبيعتها وعدد المهام التي يؤدّيها العامل ومستوى المهارات المطلوبة منه. وهنا تكمن المعضلة: قد لا يختفي العمل، لكن العامل سيحتاج إلى تحديث مهاراته بوتيرة أسرع من أي مرحلة سابقة. ولا تقتصر المهارات المطلوبة على البرمجة، التي تتعرّض هي نفسها للتحوّل، بل تشمل الثقافة الرقمية والتفكير النقدي والمعرفة التخصصية والقدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المهارات الاجتماعية والإنسانية التي يصعب على الآلة محاكاتها. بيل غيتس واحد من مؤسسي شركة مايكروسوفت (رويترز) من ثورة تقنية إلى مصدر جديد لعدم المساواة لا يتعلق القلق بعدد الوظائف فقط، بل أيضاً بمن يملك أدوات الذكاء الاصطناعي ومن يستطيع استخدامها والاستفادة منها. فالدول التي تمتلك بنية تحتية رقمية متقدمة ورؤوس أموال وشركات تكنولوجية كبرى ستكون الأقدر على الاستفاد