"ليبانون ديبايت"-العميد منير شحادة منذ أوسلو، دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة قيل يومها إنها ستقود، عبر التفاوض والاعتراف المتبادل والتدرج، إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. كان الرهان أن ينتقل الفلسطينيون من منطق الثورة إلى منطق الدولة، ومن البندقية إلى طاولة المفاوضات، وأن تكون التنازلات المتبادلة مدخلًا إلى تسوية تاريخية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد أكثر من ثلاثة عقود ليس: ماذا حققت المقاومة؟ اتفاق أوسلو عام ١٩٩٣ قام على الاعتراف المتبادل، وترتيبات حكم ذاتي فلسطيني انتقالي، وانسحابات إسرائيلية تدريجية كان يفترض أن تقود خلال فترة انتقالية إلى مفاوضات الحل النهائي. غير أن المرحلة الانتقالية لم تنتهِ إلى الدولة الفلسطينية التي كان الفلسطينيون ينتظرونها. بل بقي الاحتلال، وتوسعت المستوطنات، واستمرت السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من الضفة الغربية، وتحوَّل ما كان يفترض أن يكون مرحلة انتقالية إلى واقع سياسي وجغرافي مستمر. من بندقية عرفات وغصن الزيتون إلى غصن الزيتون وحده في خطاب ياسر عرفات الشهير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٧٤، حمل القضية الفلسطينية في صورتها الرمزية الشهيرة: غصن الزيتون في يد، والبندقية في اليد الأخرى. كان المعنى واضحًا: الفلسطيني مستعد للسلام، لكنه لا يتخلى عن أوراق قوته. أما مع صعود محمود عباس، فقد أصبحت الأولوية للعمل السياسي والمفاوضات والمقاومة الشعبية السلمية، فيما رفضت القيادة الفلسطينية مبدأ وجود سلاح خارج مؤسسات السلطة. ولم يكن هذا مجرد شعار، فقد أكد عباس في السنوات اللاحقة تمسكه بـالسلاح الشرعي الواحد، ورفض أي سلاح خارج إطار السلطة الفلسطينية. وفي عام ٢٠٢٦ قال صراحة إن السلطة ستتمسك باتفاق أوسلو، كما أكد رفض أي سلاح خارج السلطة. وهنا يمكن أن نطرح السؤال السياسي الأهم: إذا كان الفلسطيني قد سلَّم أوراق القوة التي كانت بحوزته، فماذا حصل في المقابل؟ هل أصبحت القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية؟ أم أن التنازل الفلسطيني أصبح، مع مرور الزمن، نقطة انطلاق لمطالبة إسرائيل بتنازل جديد؟ لا مشكلة في أن يمد الفلسطيني غصن الزيتون. المشكلة تبدأ عندما يمده الفلسطيني، ولا يجد على الطرف الآخر سوى المزيد من الشروط. فالسلام لا يعني أن يتنازل طرف عن مطالبه، ثم يطلب منه أن يتنازل مرة ثانية وثالثة ورابعة، فيما الطرف الآخر يواصل تغيير الوقائع على الأرض. والأخطر أن يتحول التنازل من جزء من تسوية متبادلة إلى منهج سياسي دائم. وهنا تحديدًا تبدو تجربة السنوات الماضية قاسية. فالسلطة الفلسطينية نفسها سبق أن اتهمت إسرائيل بعدم تنفيذ التزاماتها في اتفاقات سابقة، وباستمرار الاستيطان وعدم استكمال الانسحابات. وفي خطاب رسمي عام ٢٠١٥، ذكَّر عباس بأن اتفاق أوسلو كان يفترض أن يقود خلال خمس سنوات إلى الاستقلال، واتهم إسرائيل بوقف الانسحابات وزيادة النشاط الاستيطاني. أي أن المشكلة لم تكن مجهولة للقيادة الفلسطينية نفسها. ثم جاءت المقاومة… فكان المطلوب قمعها في الضفة الغربية، اتخذت السلطة موقفًا واضحًا من السلاح خارج مؤسساتها. وبمرور الوقت أصبح التنسيق الأمني جزءًا أساسيًا من العلاقة بين السلطة وإسرائيل، بينما كانت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة تواجه مجموعات مسلحة فلسطينية في الضفة. وقد ظل هذا الملف أحد أكثر الملفات إثارة للخلاف الفلسطيني الداخلي، إذ تتهم حماس السلطة بالتنسيق الأمني مع إسرائيل وقمع المقاومة، بينما تقول السلطة إن حصر السلاح بيدها شرط لبناء الدولة ومنع الفوضى. وهكذا أصبح الفلسطيني أمام معادلة غريبة: إسرائيل تحتفظ بجيشها وسلاحها واحتلالها، بينما يُطلب من الفلسطيني أن يتخلى عن سلاحه بحجة بناء الدولة. والسؤال هنا ليس تبرير كل عمل مسلح أو تجاهل تبعاته، بل سؤال سياسي بحت: إذا أزيلت أدوات الضغط الفلسطينية، فما هي الأداة التي ستجبر إسرائيل على تنفيذ ما لا تريد تنفيذه؟ ثم جاءت غزة… وجاء الاختبار الأكبر بعد السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، دخلت غزة حربًا غير مسبوقة في حجمها ودمارها. وكان يمكن انتظار أن تكون الأولوية الفلسطينية والعربية والدولية هي وقف الحرب، حماية المدنيين، إنهاء الاحتلال العسكري، وإعادة إعمار القطاع. لكن المفارقة التي فجَّرتها مواقف السلطة الفلسطينية كانت أن الخطاب لم يتجه فقط إلى إسرائيل والولايات المتحدة والمجتمع الدولي، بل اتجه أيضًا إلى حماس. وفي نيسان ٢٠٢٥، خرج محمود عباس أمام المجلس المركزي الفلسطيني مطالبًا حماس بتسليم المحتجزين الإسرائيليين وإلقاء السلاح، وقال عبارته الغاضبة التي أثارت ردود فعل واسعة: (يا أبناء الكلب، سلّموا ما عندكم وانتهوا من هذا الأمر). وقد نقلت الجزيرة نص عبارته، كما نقلت أن عباس قال إن احتجاز الأسرى يمنح إسرائيل (ذرائع) لمواصلة هجمات