تتجه شركة أسمنت الرياض إلى إعادة تصميم نموذجها التشغيلي بالكامل تقريباً؛ من مصنع يعتمد على العمليات التقليدية إلى منشأة تديرها البيانات والخوارزميات والطاقة الشمسية، وسط هدف صريح، كما قال الرئيس التنفيذي للشركة شعيل العايض في مقابلة خاصة مع "النهار"، بخفض تكاليفها 15% من أحد أبرز مشاريع هذا التحول، ضمن برنامج وطني أوسع تقوده وزارة الصناعة والثروة المعدنية لدفع القطاع الصناعي السعودي نحو معايير عالمية. شعيل العايض، الرئيس التنفيذي لـ أسمنت الرياض (النهار) أسمنت الرياض شركة سعودية لإنتاج الأسمنت، مدرجة في السوق السعودية تداول، وقّعت أخيراً عقدين لتطوير الأتمتة والتحول الرقمي بقيمة إجمالية تقارب 57 مليون ريال سعودي (نحو 15.2 مليون دولار)، إلى جانب اتفاقية طويلة الأجل لشراء الطاقة الشمسية من شركة سمانا للطاقة. وفصّل العايض المنطق الاستراتيجي وراء هذه الخطوات، وحدود ما تعد به فعلياً. وأوضح العايض أن خفض التكلفة بنسبة 15% "تتعلق بالتوفير المستهدف من برامج التحول والكفاءة المرتبطة بشكل أساسي بمشروع المنارات الصناعية أو ما يعرف بإسم (Light House)، ولا يتم جمع هذه النسبة في توفير التكاليف إلى بقية المشاريع بشكل مباشر نظرا لتداخل في نطاقها وتأثيرها على بعض عناصر التكلفة وتقليل تعرضها لتقلبات وتغيرات تكاليف الطاقة مستقبلاً." يهم هذا التحول المستثمرين تحديداً لأنه يمثّل محاولة الشركة التحكّم بما تستطيع التحكم به، بعدما عجزت عن رفع أسعار البيع بحرية في سوق يعاني تباطؤ الطلب وسقف سعري رسمي. فنجاح هذه المشاريع قد يعني هوامش أكثر استقراراً وتوزيعات أرباح أكثر أماناً، وتأخرها يعني بقاء الشركة رهينة لتقلبات أسعار الطاقة لسنوات إضافية. لماذا الآن؟ الهوامش تحت الحصار ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه الشركة تأكل في الهوامش حيث انخفض صافي ربح أسمنت الرياض 17.3% على أساس سنوي إلى 110 ملايين ريال (29.3 مليون دولار) في النصف الأول من 2026، فيما تراجعت الإيرادات 5.5% إلى 393 مليون ريال (104.8 مليون دولار). وقالت الشركة إن تراجع الربحية في الربع الثاني يعود إلى ارتفاع كلفة الوقود وتراجع متوسط سعر بيع الأسمنت الرمادي. هذا النمط -أرباح تتآكل رغم استقرار الطلب نسبياً- هو ما يجعل استثمارات الكفاءة والطاقة أكثر إلحاحاً من كونها مجرد مبادرة استدامة. فحين يعجز المصنّع عن رفع الأسعار بحرية في سوق تنافسية، يتحوّل خفض كلفة الإنتاج إلى الرافعة الوحيدة المتاحة لحماية الأرباح. الصورة الأكبر: من مصنع منفرد إلى استراتيجية صناعية وطنية ما تفعله أسمنت الرياض ليس استثناءً معزولاً، بل مؤشر على تحوّل بنيوي أوسع في قطاع الأسمنت الخليجي، حيث تدفع كلفة الطاقة المتصاعدة وضغوط الطلب الشركات إلى البحث عن كفاءة داخلية بدلاً من الاتكال على تحسّن الأسعار. والنجاح هنا لن يُقاس بعدد العقود الموقّعة أو حجم الاستثمار -المتواضع نسبياً عند نحو 57 مليون ريال (15.4 مليون دولار أميركي) - بل بمدى قدرة الشركة على ترجمة هذه المشاريع إلى هامش تشغيلي أكثر استقراراً خلال العامين إلى الثلاثة أعوام المقبلة، وتحديداً عند بدء تشغيل منظومة الطاقة الشمسية في الربع الرابع من 2027. الرهان الأول: المنارات الصناعية والثورة الرابعة وقّعت أسمنت الرياض عقد تنفيذ مشروع المنارات الصناعية مع شركة تيانجين لتصميم وبحوث صناعة الأسمنت المحدودة، بقيمة 55.9 مليون ريال سعودي (نحو 14.9 مليون دولار) غير شاملة ضريبة القيمة المضافة، ولمدة 24 شهراً، يشمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والصيانة التنبؤية وتحسين استهلاك الطاقة والتحول الرقمي. كما وقّعت عقداً مع كاشابوز للموازين والخدمات اللوجستية بقيمة 279 ألف يورو (نحو 329 ألف دولار) لأتمتة عمليات التوزيع والخدمات اللوجستية. واللافت أن مشروع المنارات الصناعية هذا ليس تسمية داخلية للشركة، بل جزء من تنفيذها لبرنامج المنارات الصناعية الوطني. مصنع شركة إسمنت الرياض في المزاحمية قرب العاصمة السعودية (الشركة) ما هو برنامج المنارات الصناعية؟ دشّنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية هذا البرنامج في 16 ربيع الأول 1446هـ الموافق أيلول/سبتمبر 2024، بحضور وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، بهدف تمكين المصانع الوطنية الرائدة من تبني تقنيات الثورة الصناعية الرابعة وتحسين كفاءة إنتاجها، وتأهيلها لنيل اعتراف عالمي ضمن شبكة المنارات الصناعية العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، التي تضم حالياً 153 مصنعاً حول العالم معترفاً بها كرائدة في هذا المجال. وتستهدف الوزارة وصول 14 مصنعاً سعودياً إلى هذا الاعتراف بحلول عام 2030، عبر مرحلة أولى تشمل تقييم 50 مصنعاً وطنياً رائداً ومساعدتها على إعداد خطط التحول اللازمة للترشح. وقال العايض إن الأهمية الاستراتيجية لهذه المشاريع تنبع من توجه