حاليا، تعمل الحكومة ومصرف لبنان والمصارف، بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي والجهات المانحة والشركاء الدوليين، على إعادة بناء الاستقرار المالي، ومعالجة الفجوة المالية، واستعادة الثقة بالنظام المصرفي، وتأمين شروط حماية حقوق المودعين وإعادة إطلاق الاقتصاد. لكن السؤال الأساسي يبقى: هل نعالج جذور الأزمة، أم نكتفي بإدارة نتائجها؟حتى الآن، المعادلة صفر، حتى لا نقول إنها سلبية!لأننا نحاول معالجة النتائج قبل الأسباب. نبحث عن المال قبل أن نسأل كيف نعيد الاقتصاد إلى الإنتاج، ونرفع الإنفاق قبل أن نرفع قدرة الدولة على توليد الإيرادات، ونطلب من المواطن أن يدفع أكثر قبل أن نعطيه دولة أفضل، فيما التضخم يلتهم قدرته الشرائية ويأكل الأخضر واليابس. الفجوة المالية لا تُغلق بتوزيع الخسائر، والودائع لا تُحمى بتأجيلها أو بمحوها، والرواتب لا تُرفع بصورة مستدامة من دون اقتصاد منتج، والدولة لا تُعاد إلى الحياة بالضرائب والرسوم وحدها.والاتجاه الحالي واضح. موازنة 2026 تبلغ 538,415 مليار ليرة، بزيادة نحو 21% عن موازنة 2025. وتمثل النفقات الجارية 88% من الإنفاق، فيما تصل كلفة العاملين إلى 54.9% من النفقات. وفي المقابل، نحو 82% من إيرادات الموازنة تأتي من الضرائب.ومع مشروع موازنة 2027، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إلى أين نذهب إذا كانت الدولة تموّل نفسها بصورة متزايدة من الجباية، فيما ترتفع كلفة المعيشة والإنتاج والخدمات؟ لا يمكن أن تكون الدولة حاضرة في جيب المواطن وغائبة عن حياته. لا يمكن أن ترتفع كلفة جواز السفر والمعاملات والخدمات العامة، وتزداد الرسوم والضرائب من أبواب مختلفة، فيما تبقى جودة الخدمات دون المستوى المطلوب. المواطن يدفع أكثر، لكن ذلك لا يعني أنه يحصل على دولة أفضل!هذه ليست مشكلة المواطن وحده، بل مشكلة الاقتصاد كله. كل رسم إضافي على خدمة، وكل ضريبة إضافية على سلعة أو نشاط، وكل ارتفاع في كلفة الطاقة والنقل والاتصالات، يدخل في النهاية في كلفة الإنتاج. وعندما ترتفع كلفة الإنتاج، تنخفض القدرة التنافسية، وتتراجع فرص الاستثمار، وتصبح الصادرات أصعب، ويصبح الاستيراد أكثر جاذبية. عندها نعود إلى النقطة نفسها: اقتصاد أضعف، وإيرادات أضعف، وحاجة أكبر إلى الضرائب.والرواتب مثال واضح، لكنها ليست أصل المشكلة. الموظف والمتقاعد والعسكري فقدوا جزءاً كبيراً من قدرتهم الشرائية، وتصحيح الأجور ضرورة اجتماعية. لكن التصحيح المستدام لا يمكن أن يقوم على تمويل إضافي من الخزينة كل عام، ولا على جباية إضافية من اقتصاد مثقل أصلاً بكلفة مرتفعة. ويقدّر صندوق النقد أن إجمالي الإنفاق على العاملين في الدولة انخفض من نحو 6.4 مليارات دولار في 2019 إلى 2.7 مليار دولار في 2025، وأن تعويضات العاملين والمنافع الاجتماعية بلغت 6.8% من الناتج في 2025. كما يقدّر عدد العاملين في الحكومة المركزية بنحو 183 ألفاً، بينهم نحو 120 ألفاً في القطاعات العسكرية والأمنية.هذه الأرقام لا تقول إن المشكلة هي ببساطة أن الدولة تنفق كثيراً على العاملين فيها. المشكلة الأعمق هي أن الاقتصاد الذي يمول الدولة لم يستعد قدرته على النمو والإنتاج. لذلك لا يمكن فصل تصحيح الأجور عن النمو والإنتاجية والإصلاح الإداري والقدرة المالية للدولة.والأمر نفسه ينطبق على الودائع. لا يمكن إعادة الودائع من دون تحديد مصادر التمويل، وتوزيع الخسائر بصورة عادلة وقابلة للاستدامة، وإعادة بناء ميزانيات مصرف لبنان والمصارف والدولة. والمصارف لا تستطيع إعادة بناء ميزانياتها من دون رسملة حقيقية، والدولة لا تستطيع تحمل الخسائر كلها من دون تهديد استدامة ماليتها العامة. لذلك لا يكفي أن نسأل كيف نعالج الخسائر. يجب أن نسأل كيف نعيد بناء النظام الذي أنتجها، وكيف نعيد المصارف إلى وظيفتها الأساسية: تمويل الاقتصاد!وهنا نصل إلى جوهر المسألة. لبنان لا يحتاج إلى مزيد من إدارة الأزمة. يحتاج إلى وقف إنتاج الأزمة.فالبلد ليس بلا أصول. لديه ذهب، وأملاك عامة، ومؤسسات ومرافق، وطاقات بشرية واغترابية وقطاعات اقتصادية قادرة على الإنتاج. لكن هذه الأصول ليست خزينة جاهزة للصرف، ولا يجوز تحويلها إلى غطاء لنفقات جارية. قيمتها الحقيقية تكمن في إدارتها ضمن استراتيجية وطنية شفافة وطويلة الأمد، وفي استخدامها لتحفيز الاستثمار والإنتاج، لا لتغطية عجز يتكرر كل سنة.وفي المقابل، يجب أن يُقرأ حجم الدين العام بصورة صحيحة. المسألة ليست فقط حجم الدين على الورق، بل قدرة الدولة على توليد موارد مستدامة وخدمة التزاماتها من اقتصاد قابل للنمو.لكن لا يمكن أن ينمو الاقتصاد إذا بقيت كلفة العمل والإنتاج والطاقة والنقل مرتفعة، وإذا بقيت البنية التحتية ضعيفة، وإذا بقي الاستثمار رهينة عدم الاستقرار. في 2025 بلغت الواردات نحو 21.1 مليار دولار مقابل صادرات بنحو 3.6 مليارات، أي عجز تجاري يقارب 17.4 مليا