ثمة لبنانُ يعيش اليوم على شاشات هواتفنا اكثر مما يعيش في شوارعه.يظهر لنا فجاة في صورة قديمة لبيروت، سيارات متوقفة امام سينما لم تعد موجودة، واجهات محال تغيّرت، مقاهٍ كانت تعجّ بالناس، شوارع تبدو اقل ازدحاماً وأكثر ثقة بمستقبلها، ثم تأتي الأغنية القديمة، أو إعلان منسي، أو مشهد من فيلم، فتكتمل الصورة.ننظر قليلاً، ثم نقول: "يا ريت ترجع هالايام"لكن ثمة سؤالاً صغيراً يفسد جمال العبارة:أيّ أيام؟والأهم، لماذا نشتاق إليها أصلاً؟كثيرون ممن يرددون هذه الجملة اليوم لم يعيشوا تلك السنوات، بعضهم لم يولد بعد، وبعضهم كان طفلاً لا يتذكر منها شيئاً، ومع ذلك، يشعرون بأنهم فقدوا شيئاً كان لهم، وأن لبنان آخر كان موجوداً في مكان ما ثم اختفى.كيف يمكن للإنسان أن يحنّ إلى زمن لم يعشه؟ربما لأن الذاكرة لم تعد ملكاً لأصحابها وحدهم.في الماضي، كان الوصول إلى الماضي يحتاج إلى شخص أكبر سناً يروي، أو إلى ألبوم عائلي، أو كتاب، أو مجلة، أو شريط فيديو محفوظ في درج.أما اليوم، فقد أصبح الماضي يملك طريقاً مباشراً إلى غرفنا.صورة عن "انستغرام"، تقود إلى أخرى، أغنية تستدعي أغنية، مشهد من فيلم قديم يعيد مدينة كاملة إلى الواجهة، حساب بيروت القديمة يمكن أن يفتح أمام المستخدم عشرات الحسابات المشابهة.شيئاً فشيئاً، يتحول الماضي إلى تيار من الصور، نحن لا نذهب إليه، هو ياتي إلينا.وهنا حدث تغير ثقافي مهم، فقد أصبحت المنصات الرقمية، إلى جانب الأرشيفات والمكتبات والمؤسسات الثقافية، واحدة من الأماكن التي تتشكل فيها علاقتنا بالماضي، وقد ظهر في النقاش الثقافي اللبناني الحديث وصف لهذه الظاهرة بوصفها نوعاً من "خوارزمية الحنين الجماعي": المنصات تعيد تدوير صور الماضي وتدفعها إلى جمهور واسع، فتمنح الذاكرة شكلاً جديداً قابلاً للتداول والمشاركة، لكن الخوارزمية، بخلاف الأرشيف، لا تسألنا ما الذي حدث؟هي تسأل سؤالاً آخر: "ما الذي سيجعلنا نتوقف"؟وهنا تبدأ المشكلة، لأن الماضي الذي يظهر أمامنا ليس الماضي كله.نحن نرى بيروت الجميلة، نرى المقاهي والسينما والمكتبات والبحر والملابس والأغاني والواجهات، لكننا لا نرى بالضرورة كل ما كان خلف الصورة.لا نرى التفاوتات الاجتماعية التي كانت موجودة، ولا الصراعات السياسية، ولا الخوف الذي سبق الحرب، ولا الناس الذين عاشوا على هامش المدينة ولم تدخل حياتهم في الصورة.الصورة القديمة ليست كاذبة، لكنها، مثل كل صورة، منتقاة، إنها تحتفظ بلحظة وتترك ما حولها خارج الإطار، وحين تتكرر الصورة آلاف المرات، يمكن للحظة أن تتحول إلى تعريف كامل لحقبة.هكذا يتحول "لبنان القديم" من تاريخ معقد إلى صورة، ومن صورة إلى حنين، ومن الحنين إلى أسطورة، ربما لهذا السبب علينا أن نتوقف أمام عبارة "الزمن الجميل".جميل لمن؟ هذه ليست محاولة لإفساد الماضي، ولا دعوة إلى النظر إليه بعين سوداء، لكن الماضي لا يصبح جميلاً لمجرد أننا فقدناه.كان زمناً مثل أي زمن آخر، فيه ما يستحق الحفظ، وما يستحق النقد، وما يستحق النسيان، المشكلة أن المسافة الزمنية تمنحنا قدرة غريبة على التجميل.ما كان عادياً يصبح تراثاً.ما كان مؤلماً يصبح حكاية.ما كان مأزقاً يصبح تفصيلاً.وما كان مستحيلاً يصبح، في الذاكرة، أمراً بسيطاً.ولعل أكثر ما يكشف ذلك هو أن كل جيل لبناني يملك "ماضيه" الخاص.بالنسبة إلى شخص أكبر سناً، قد تكون بيروت التي تستحق الحنين هي بيروت الستينيات والسبعينيات، المدينة التي ارتبط اسمها بالصحافة والنشر والفنون والحياة الثقافية العربية.أما بالنسبة إلى جيل آخر، فقد يكون الماضي هو بيروت التسعينيات: أولى سنوات ما بعد الحرب، التلفزيون، الكاسيت، المقاهي، وسط المدينة قبل أن تتغير صورته، والحمرا التي كان لها إيقاع مختلف.وبالنسبة إلى جيل أصغر، قد لا يكون "الماضي" بعيداً إلى هذا الحدقد يكون أوائل الألفية.الهاتف القديمأغاني الـ CDمنتديات الأنترنتالتلفزيون قبل أن يصبح الهاتف هو الشاشة الأساسيةطفولة قبل الانهيار الاقتصاديوهنا تصبح المسالة أكثر إثارة.ليس هناك لبنان قديم واحدهناك لبنانات قديمة، بعدد الأجيال التي عاشت فيه، كل جيل يصنع نسخته الخاصة من البلد، ثم ينظر إليها بعد سنوات ويقول: كان كل شيء أجمل، ربما لم يكن كل شيء أجمل، ربما كان الزمن فقط زمننا، لهذا فإن الحنين لا يخبرنا عن الماضي بقدر ما يخبرنا عن الحاضر.حين نشتاق إلى بيروت القديمة، إلى ماذا نشتاق في الحقيقة؟إلى السينما؟إلى المكتبة؟إلى المقهى؟إلى الموسيقى؟أم إلى شعور أوسع بأن المستقبل كان ممكناً؟ ربما يكون هذا هو جوهر الحنين، نحن لا نفتقد الاشياء وحدها، نفتقد الإمكانات التي كانت تمثلها الأشياء.المقهى ليس مجرد مقهى، إنه مكان يمكن أن تلتقي فيه بالآخر.المكتبة ليست رفوفاً من الكتب، إنها وعد بأن المعرفة جزء من الحياة اليومية.السينما ليست شاشة، إنها مدينة تجتمع حول قصة.وحين تختفي