يواصل المجتمع الدولي مطالبة لبنان بنزع سلاح حزب الله، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي، واستعادة السلطة حصرية السلاح للدولة اللبنانية وقرارَي الحرب والسلم، لكنه يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن لبنان لا يستطيع إنجاز هذه المهمة بمفرده، فيما تمتد أيديولوجية حزب الله وعملياته العسكرية وتمويله وعلاقاته الاستراتيجية إلى ما هو أبعد بكثير من الأراضي اللبنانية. تتحمل الدولة اللبنانية المسؤولية الدستورية عن ترسيخ سيادتها، لكن المسؤولية يجب أن تقترن بالقدرة؛ فبوسع مجلس النواب أن يشرّع، وبوسع الحكومة أن تتخذ القرارات، وبوسع القوات المسلحة اللبنانية أن تتحرك ضمن القانون، إلا أن هذه المؤسسات لا تستطيع بمفردها تفكيك شبكات مالية دولية، أو وقف نقل السلاح عبر أراضٍ أجنبية، أو مواجهة القوى الإقليمية التي تدعم الموقع العسكري لحزب الله. مشروع أيديولوجي وعسكري إقليمي دعت الرسالة المفتوحة التأسيسية لحزب الله عام 1985 إلى إقامة دولة إسلامية مستوحاة من النموذج الإيراني، وأعلنت الالتزام بولاية الفقيه. ومع أن وثيقته السياسية لعام 2009 كيّفت موقفه العلني مع النظام التعددي اللبناني، فإن التناقض لا يزال قائماً بين ولاء أيديولوجي عابر للحدود وبين سلطة المؤسسات الدستورية اللبنانية. إن تدخل حزب الله في سوريا، وعلاقاته مع جماعات مسلحة في العراق، وانخراطه في مواجهات إقليمية أوسع مع إسرائيل، تثبت أن سلاحه ليس شأناً لبنانياً داخلياً فحسب. فعندما تشارك منظمة مسلحة في نزاعات إقليمية من دون تفويض من الدولة اللبنانية، يتحمل جميع اللبنانيين النتائج العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية لقرارات لم يتخذوها. تتجاوز المشكلة ساحات القتال، إذ ربطت السلطات الأميركية أفراداً وشبكات مرتبطة بحزب الله بتهريب المخدرات وغسل الأموال والالتفاف على العقوبات وعمليات تجارية في أميركا الجنوبية، بما فيها فنزويلا، وفي أجزاء من أفريقيا. ويجب تقييم كل قضية بحسب أدلتها، وعدم استخدامها لاتهام الجاليات اللبنانية بأكملها، لكن لا يجوز تجاهل نطاقها الدولي. لا يستطيع لبنان تجميد أصول موجودة في الخارج، أو توقيف مشتبه فيهم في دول أجنبية، أو تفكيك عمليات تهريب وغسل أموال تمتد عبر قارات عدة من دون تعاون دولي. كما لا يمكن فصل نزع السلاح عن الشبكات المالية واللوجستية والسياسية التي تدعم أي تنظيم مسلح. على العالم الحر أن يتحمل مسؤوليته لذلك، يجب على العالم أن يتوقف عن تحميل الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني العبء كاملاً، فيما يقتصر دوره على البيانات والمطالب. لقد أكد القراران 1559 و1701 أن سيادة لبنان، ونزع سلاح الميليشيات، وبسط سلطة الدولة، قضايا ذات بُعد دولي. وهذه القرارات تحتاج إلى تنفيذ جدي، لا إلى استشهاد انتقائي بها. يحتاج لبنان إلى تحرك دولي منسق لمواجهة التمويل غير المشروع ونقل السلاح خارج سلطة الدولة، وتعزيز أمن الحدود، وتقديم دعم مستدام للقوات المسلحة اللبنانية، واعتماد إجراءات دبلوماسية تتصدى لكل انتهاك للسيادة اللبنانية. ويجب أن تعزز هذه المساعدة الدولة اللبنانية، وتحمي المدنيين، وتحول دون تحويل لبنان مرة أخرى إلى ساحة صراع للقوى الإقليمية. على العالم الحر أن يسمع اللبنانيين الذين يريدون وطناً سيداً، تخضع فيه جميع الأحزاب للقانون نفسه، وتتمتع فيه كل الطوائف والجماعات بحقوق متساوية، ولا تستطيع فيه أي منظمة أو قوة أجنبية فرض الحرب على البلاد. والهدف ليس العقاب الجماعي أو المواجهة الطائفية، بل استعادة جمهورية دستورية خاضعة للمساءلة أمام شعبها. على لبنان أن ينهض بمسؤولياته، لكن لا يجوز تركه وحيداً في مواجهة بنية عسكرية ومالية تعمل عبر الحدود. وعلى المجتمع الدولي أن ينتقل من المطالبة بالسيادة إلى المساعدة على جعلها ممكنة. إن الدفاع الوطني وقرارَي الحرب والسلم في لبنان يجب أن يكونا حصراً في يد المؤسسات الدستورية للجمهورية اللبنانية. رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بلبنان