لم يكن كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري عن أن اتفاق الإطار «طار» مجرد موقف سياسي عابر. بري قال كلمته استناداً إلى جملة معطيات، وبما يوحي بأن مهلة التفويض التي مُنحت للمسار السياسي قد انتهت. فحين يجمع القادة الإسرائيليون، سياسيين وعسكريين، وحتى بعض المرشحين المحتملين لخلافة بنيامين نتنياهو، على أن الجيش الإسرائيلي باقٍ في جنوب لبنان، وتحديداً ضمن ما بات يُعرف بـ«المنطقة الصفراء»، وأن لا انسحاب منها، يصبح اتفاق الإطار، القائم أساساً على مبدأ الانسحاب، فاقداً لقيمته العملية. في المقابل، يصر الأميركيون على تحميل حزب الله مسؤولية عدم انسحاب إسرائيل، انطلاقاً من رفضه تسليم سلاحه. ولا يُعفى لبنان الرسمي من المسؤولية في المقاربة الأميركية. فالمسؤولون الأميركيون، بمن فيهم السفير في بيروت، يعتبرون أن الجيش اللبناني لا يتقدم بالقدر المطلوب نحو مواقع تابعة للحزب للسيطرة عليها، وأن المطلوب منه إظهار «جرأة واضحة» في التعامل مع هذا الملف. وبحسب هذه المقاربة، المشكلة ليست في قدرة الجيش بقدر ما هي في «الإرادة». هنا تحديداً تبدأ الحلقة المقفلة: إسرائيل لن تنسحب قبل نزع السلاح، ونزع السلاح غير حاصل، والدولة غير قادرة على فرضه بالقوة، فيما إسرائيل حسمت، في المقابل، خيار البقاء. من هنا، يصبح مفهوماً لماذا يقول بري ووليد جنبلاط وغيرهما إن اتفاق الإطار «طار». لكن سقوط الاتفاق، إذا حصل فعلاً، ليس نهاية المشكلة، بل بدايتها. إسرائيل لن تجلس وتتفرج على بقاء حزب الله من دون أن تحاول استكمال ما تعتبره عقيدتها الأمنية الجديدة. والحزب، الصامت حالياً، لن يبقى صامتاً إلى الأبد. وفي إسرائيل بدأ الحديث أصلاً عن احتمال تبديل الحزب تكتيكاته خلال الشتاء المقبل، والانتقال إلى عمليات أقرب إلى حرب العصابات ضد الجنود الإسرائيليين داخل «المنطقة الصفراء». وبين الاحتمالين، تتحضر تل أبيب لاستغلال أي ذريعة لتوسيع منطقتها الأمنية وإبعاد الحزب أكثر عما يمكن أن يتحول لاحقاً الى «الخط الرمادي». بمعنى آخر، «الخط الأصفر» ليس بالضرورة خطاً نهائياً. قد يتوسع تبعاً للتطورات الميدانية، فيما يصبح «الخط الرمادي» نطاقاً أمنياً أوسع يشمل منطقة الأربعة كيلومترات المتاخمة للمستوطنات، أو ما تعتبره إسرائيل شعاعاً أمنياً لها وفق عقيدتها الجديدة؛ أي منطقة عازلة يُمنع على أي طرف التواجد فيها. من هنا، يصبح كلام السفراء والمبعوثين في بيروت أكثر أهمية. فما يُسمع منهم يوحي بأن إسرائيل ماضية في خلق «علي الطاهر 2 و3 و10»، أي إنتاج نقاط اشتباك جديدة توفر لها، في كل مرة، مبرراً لتعميق تقدمها في جنوب لبنان، بذريعة أن الدولة اللبنانية فشلت في تنفيذ التزاماتها حيال نزع سلاح الحزب، وأن الجيش اللبناني عاجز عن تنفيذ المهمة. وهنا يبرز سؤال أبعد من الجنوب نفسه. إذا نجحت إسرائيل فعلاً في التقدم نحو مناطق وردت سابقاً ضمن تصورات وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي السابق رون ديرمر، وصولاً مثلاً إلى تخوم الزهراني، فهل تبقى الشرعية السياسية الحالية للسلطة اللبنانية قائمة لدى الجهات الخارجية التي دعمتها؟ أم أن هذه الشرعية ستبدأ بالتآكل في عيون إسرائيل والولايات المتحدة وأطراف أخرى دعمت السلطة على أساس تأدية مهمة محددة، في مقدمها نزع السلاح، فإذا سقطت المهمة سقط معها الغطاء الذي وفر لها؟ وعندها، هل تنقل تل أبيب الأزمة من الجنوب إلى قلب بيروت؟ المشكلة أن إسرائيل لا تتحدث عن حزب الله وحده. في 10 أيلول المنصرم، قال بنيامين نتنياهو من قمة جبل الشيخ، جنوب سوريا، إن إسرائيل لن تقبل بعد اليوم بوجود جيش على حدودها. ووفق المنطق الذي يطرحه، لا يقتصر الأمر على الجيشين اللبناني والسوري، بل يمتد، في بُعد آخر، إلى الجبهتين المصرية والأردنية. والأهم لبنانياً أن هذا المنطق ينسحب أيضاً على اليونيفيل، وعلى أي قوات دولية أخرى يمكن التفكير في نشرها مستقبلاً، سواء في جنوب لبنان أو غزة أو سوريا. بمعنى آخر، يسقط نتنياهو مسبقاً إحدى الفرضيات التي تعمل عليها السلطة اللبنانية: تشكيل قوة أوروبية يمكن أن تحل مكان اليونيفيل بعد انتهاء مهمتها ومغادرتها جنوب لبنان. مرّ كلام نتنياهو، الصادر من منطقة ذات قيمة استراتيجية استثنائية، من دون أن يحظى بما يستحقه من نقاش لبناني. فالرجل، عملياً، لم يكن يرفض وجود قوة بعينها فحسب، بل كان يطرح عقيدة أمنية مختلفة بالكامل: إسرائيل لن تسلّم أمن حدودها إلى أحد، لا إلى جيش دولة مجاورة ولا إلى قوة دولية، بل ستؤمّنه بنفسها وبجهودها الذاتية، ولو كان ذلك داخل أراضي الآخرين. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا ما تزال الدولة اللبنانية تسعى إلى إقناع فرنسا أو إيطاليا بالمشاركة في قوة بديلة عن اليونيفيل، أو حتى قيادتها، طالما أنها باتت تدرك أن إسرائيل حسمت موقفها من هذه المسألة؟ يقول مرجع كبير: «نحن الآن أمام